محمد جمال الدين القاسمي
49
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
تنبيه : هذا الحكم المذكور في الآيتين منسوخ ، بعضه بالكتاب وبعضه بالسنة . قال الإمام الشافعيّ في الرسالة في ( أبواب الناسخ والمنسوخ ) بعد ذكره هاتين الآيتين [ 376 ] : ثم نسخ اللّه الحبس والأذى في كتابه فقال : الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ . [ 377 ] فدلت السنة على أن جلد المائة للزانيين البكرين ( لحديث عبادة بن الصامت المتقدم ) . ثم قال : [ 380 ] فدلت سنة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أن جلد المائة ثابت على البكرين الحرّين ، ومنسوخ عن الثيبين . وأن الرجم ثابت على الثيبين الحرين . ثم قال : [ 381 ] لأن قول رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : خذوا عني ، قد جعل اللّه لهن سبيلا : البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام . والثيب بالثيب جلد مائة والرجم - أوّل ما نزل . فنسخ به الحبس والأذى عن الزانيين . [ 382 ] فلما رجم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ما عزا ولم يجلده ، وأمر أنيسا أن يغدو على امرأة الأسلميّ ، فإن اعترفت رجمها - دل على نسخ الجلد عن الزانيين الحرين الثيبين . وثبت الرجم عليهما . لأن كل شيء أبدا بعد أول فهو آخر . انتهى . القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة النساء ( 4 ) : آية 17 ] إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً ( 17 ) إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ استئناف مسوق لبيان أن قبول التوبة من اللّه تعالى ليس على إطلاقه ، كما ينبئ عنه وصفه تعالى بكونه توابا رحيما . بل هو مقيد بما سينطق به النص الكريم . قوله تعالى التَّوْبَةُ مبتدأ وقوله تعالى : لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ خبره . وقوله تعالى : عَلَى اللَّهِ متعلق بما تعلق به الخبر من الاستقرار . ومعنى كون التوبة عليه سبحانه ، صدور القبول عنه تعالى . وكلمة عَلَى للدلالة على التحقق البتة بحكم سبق الوعد حتى كأنه من الواجبات عليه سبحانه . والمراد بالسوء المعصية ، صغيرة أو كبيرة - كذا في أبي السعود . بِجَهالَةٍ متعلق بمحذوف وقع حالا من فاعل يَعْمَلُونَ أي متلبسين بها . أي جاهلين سفهاء . أو ب يَعْمَلُونَ