محمد جمال الدين القاسمي

50

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

على أن الباء سببية . أي يعملونه بسبب الجهالة . والمراد بالجهل السفه بارتكاب ما لا يليق بالعاقل . لا عدم العلم . فإن من لا يعلم لا يحتاج إلى التوبة : والجهل بهذا المعنى حقيقة واردة في كلام العرب . كقوله : فنجهل فوق جهل الجاهلينا . ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ أي من زمان قريب . وظاهر الآية اشتراط وقوع التوبة عقب المعصية بلا تراخ . وإنها بذلك تنال درجة قبولها المحتم تفضلا . إذ بتأخيرها وتسويفها يدخل في زمرة المصرّين . فيكون في الآية إرشاد إلى المبادرة بالتوبة عقب الذنب . والإنابة إلى المولى بعده فورا . ووجوب التوبة على الفور مما لا يستراب فيه . إذ معرفة كون المعاصي مهلكات من نفس الإيمان . وهو واجب على الفور . وتتمته في ( الإحياء ) . إذا عرفت هذا ، فما ذكره كثير من المفسرين من أن المراد من قوله تعالى مِنْ قَرِيبٍ ما قبل حضور الموت - بعيد من لفظ الآية وسرها التي أرشدت إليه . أعني البدار إلى التوبة قبل أن تعمل سموم الذنوب بروح الإيمان ، عياذا باللّه تعالى . ( فإن قيل ) : من أين يستفاد قبول التوبة قبل حضور الموت ؟ ( قلنا ) يستفاد من الآية التي بعدها ، ومن الأحاديث الوافرة في ذلك . لا من قوله تعالى مِنْ قَرِيبٍ بما أولوه . وذلك لأن الآية الثانية وهي قوله تعالى : وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ - صريحة في أن وقت الاحتضار هو الوقت الذي لا تقبل فيه التوبة . فبقي ما وراءه في حيّز القبول . وقد روى الإمام أحمد « 1 » عن ابن عمر عن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم قال : إن اللّه يقبل توبة العبد ما لم يغرغر . ورواه ابن ماجة والترمذيّ وقال : حسن غريب . وروى أبو داود « 2 » الطيالسيّ عن عبد اللّه بن عمرو قال : من تاب قبل موته بعام تيب عليه . ومن تاب قبل موته بيوم تيب عليه . ومن تاب قبل موته بساعة تيب عليه . ( قال أيوب ) . فقلت له إنما قال اللّه عز وجل : إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ . فقال : إنما أحدثك ما سمعت من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . وروى نحوه الإمام أحمد وسعيد بن منصور وابن مردويه . وروى مسلم « 3 » عن أبي هريرة قال قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : من تاب قبل أن تطلع الشمس من مغربها تاب

--> ( 1 ) أخرجه في مسنده المسند 2 / 123 . ( 2 ) أخرجه في مسنده ، الحديث 2284 . ( 3 ) أخرجه مسلم في : الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار ، حديث 43 .