محمد جمال الدين القاسمي
482
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
يكل كل الخلق أمورهم . وهو غنيّ عنهم . فإنّى يتصور في حقه اتخاذ الولد ، الذي هو شأن العجزة المحتاجين في تدبير أمورهم إلى من يخلفهم ويقوم مقامهم . وقوله تعالى : القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة النساء ( 4 ) : آية 172 ] لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعاً ( 172 ) لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ جملة مستأنفة لتقرير ما سبق من التنزيه . أي : لن يأنف من أن يكون عبدا للّه . فإن عبوديته شرف يتباهى به وَلَا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ من أن يكونوا عبيدا له تعالى . واحتج بالآية من زعم فضل الملائكة على الأنبياء . قال الزمخشريّ : أي : ولا من هو أعلى منه قدرا وأعظم منه خطرا . وهم الملائكة الكروبيون . الذين حول العرش . كجبريل وميكائيل وإسرافيل ، ومن في طبقتهم . ثم قال : فإن قلت : من أين دل قوله وَلَا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ على أن المعنى : ولا من فوقه ؟ قلت : من حيث إن علم المعاني لا يقتضي غير ذلك . وذلك أن الكلام إنما سيق لرد مذهب النصارى وغلوّهم في رفع المسيح عن منزلة العبودية . فوجب أن يقال لهم : لن يترفع عيسى عن العبودية . ولا من هو أرفع منه درجة . كأنه قيل : لن يستنكف الملائكة المقربون من العبودية . فكيف بالمسيح ؟ ويدل عليه دلالة ظاهرة بينة ، تخصيص المقربين . لكونهم أرفع الملائكة درجة وأعلاهم منزلة . ومثاله قول القائل . وما مثله ممن يجاود حاتم * ولا البحر ذو الأمواج يلتجّ زاخره لا شبهة في أنه قصد بالبحر ذي الأمواج ، ما هو فوق حاتم في الجود . ومن كان له ذوق فليذق ، مع هذه الآية قوله : وَلَنْ تَرْضى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصارى [ البقرة : 120 ] ، حتى يعترف بالفرق البين . انتهى . قال البيضاويّ : وجوابه أن الآية : للرد على عبدة المسيح والملائكة . فلا يتجه ذلك . وإن سلم اختصاصها بالنصارى فلعله أراد بالعطف المبالغة باعتبار التكثير دون التكبير . كقولك : أصبح الأمير لا يخالفه رئيس ولا مرؤوس . وإن أراد به التكبير