محمد جمال الدين القاسمي
483
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
فغايته تفضيل المقربين من الملائكة ، وهم الكروبيون ، الذين هم حول العرش ، أو من أعلى منهم رتبة من الملائكة ، على المسيح من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام . وذلك لا يستلزم فضل أحد الجنسين على الآخر مطلقا والنزاع فيه . انتهى . قال ناصر الدين في ( الانتصاف ) : وقد كثر الاختلاف في تفضيل الأنبياء على الملائكة . فذهب جمهور الأشعرية إلى تفضيل الأنبياء . وذهب القاضي أبو بكر ، منّا ، والحليمي وجماعة المعتزلة إلى تفضيل الملائكة . واتخذ المعتزلة هذه الآية عمدتهم في تفضيل الملائكة . من حيث الوجه الذي استدل به الزمخشريّ . ونحن بعون اللّه نشبع القول في المسألة من حيث الآية . فنقول : أورد الأشعرية على الاستدلال بها أسئلة . أحدها - أن سيدنا محمدا عليه أفضل الصلاة والسلام أفضل من عيسى عليه الصلاة والسلام . فلا يلزم من كون الملائكة أفضل من المسيح ، أن تكون أفضل من محمد عليه الصلاة والسلام . وهذا السؤال إنما يتوجه إذ لم يدّع مورده أن كل واحد من آحاد الأنبياء ، أفضل من كل واحد من آحاد الملائكة . وبين طائفتنا في هذه الطرف خلاف ( السؤال الثاني ) أن قوله وَلَا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ صيغة جمع . تتناول مجموع الملائكة . فهذا يقتضي كونه مجموع الملائكة أفضل من المسيح . ولا يلزم أن يكون كل واحد منهم أفضل من المسيح . وفي هذا السؤال أيضا نظر . لأن مورده إذا بنى على أن المسيح أفضل من كل واحد من آحاد الملائكة ، فقد يقال يلزمه القول بأنه أفضل من الكل . كما أن النبيّ عليه الصلاة والسلام ، لما كان أفضل من كل واحد من آحاد الأنبياء ، كان أفضل من كلهم . ولم يفرق بين التفضيل على التفصيل ، والتفضيل على الجملة أحد ممن صنف في هذا المعنى . وقد كان بعض المعاصرين يفصل بين التفضيلين ، وادعى أنه لا يلزم منه ، على التفصيل ، تفضيل على الجملة . ولم يثبت عنه هذا القول . ولو قاله أحد فهو مردود بوجه لطيف . وهو : أن التفضيل المراد ، جل أماراته رفع درجة الأفضل في الجنة . والأحاديث متوافرة بذلك . وحينئذ لا يخلوا إما أن ترفع درجة واحد من المفضولين على من اتفق على أنه أفضل من كل واحد منهم ، أو لا ترفع درجة أحد منهم عليه . لا سبيل إلى الأول . لأنه يلزم منه رفع المفضول على الأفضل . فتعين الثاني وهو ارتفاع درجة الأفضل على درجات المجموع ، ضرورة . فيلزم ثبوت أفضليته على المجموع من ثبوت أفضليته على كل واحد منهم ، قطعا . الثالث أنه عطف الملائكة على المسيح بالواو . وهي لا تقتضي ترتيبا . وأما الاستشهاد بالمثال المذكور على أن