محمد جمال الدين القاسمي
481
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
لأن الروم كانوا صابئة . ثم قهرهم على التنصر قسطنطين لما ملكهم . فقال أوائل النسطورية : إن عيسى هو اللّه . وقال أوائل اليعاقبة : إنه ابن اللّه . وقال أوائل الملكانية : إن الآلهة ثلاثة . أحدهم عيسى . ثم عدل أواخرهم عن التصريح بهذا القول المستنكر ، حين استنكرته النفوس ، ودفعته العقول ، فقالوا : إن اللّه تعالى جوهر واحد . هو ثلاثة أقانيم : أقنوم الأب . وأقنوم الابن . وأقنوم روح القدس . وأنها واحدة في الجوهرية . وأن أقنوم الأب هو الذات . وأقنوم الابن هو الكلمة . وأقنوم روح القدس هو الحياة . واختلفوا في الأقانيم . فقال بعضهم : هي خواص . وقال بعضهم : هي أشخاص . وقال بعضهم : هي صفات . وقالوا : إن الكلمة اتحدت بعيسى . واختلفوا في الاتحاد . ثم قال : وليس لهذه المذاهب شبهة تقبلها العقول . وفسادها ظاهر في المعقول . وقوله تعالى انْتَهُوا أي : عن التثليث خَيْراً لَكُمْ أي : انتهاء خيرا . أو اقصدوا خيرا من التثليث وهو التوحيد إِنَّمَا اللَّهُ إِلهٌ واحِدٌ أي : بالذات . لا تعدد فيه بوجه ما . وبقوله : سُبْحانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ تنزيه لمقامه جل شأنه ، عما زعموه من نبوّة عيسى . حيث قالوا : إنه اللّه وابن اللّه . والذي أوقعهم في هذه المهلكة الوخيمة ، والورطة الجسيمة ، ما ورد موهما من ألفاظ الإنجيل كالأب والابن . فلم يحملوها على ما أريد منها . وحملوها على ظاهرها . فضلّوا وأضلّوا . وفي ( منية الأذكياء ) ما نصه : وأما ما ورد في الإنجيل الموجود الآن ، من إطلاق ابن اللّه على عيسى عليه السلام ، فهو - إن لم يكن مما حرّف . يكون مجازا ، بمعنى ابن المحبة . كما يقال : فلان من أبناء الدنيا . ونظير ذلك قول عيسى عليه السلام لليهود ، حين ادعوا أن لهم أبا واحدا هو اللّه : ( لو كان اللّه أباكم لكنتم تحبونني ) . ثم قال لهم . ( أنتم من أب هو إبليس . وشهوات أبيكم تريدون أن تعملوا ) ادعت اليهود أن اللّه تعالى أبوهم . أي أنهم مطيعون له إطاعة الابن للأب . فكذبهم عيسى عليه السلام وجعلهم أبناء الشيطان . أي أنهم مطيعون له . ولا يخفي أن الابن والأب هنا مجازان . وقد كثر إطلاق اسم الأب على اللّه تعالى . واسم الابن على العبد الصالح ، في الكتب السالفة . فهو إما من الخبط في الترجمة . وإما مؤوّل بما ذكرنا ، فلا تغفل . لكن قد منع من هذا الإطلاق في الملة المحمدية بالكلية ، تحرزا من الإيهام والوقوع في شرك الأوهام . وهذا هو الطريق الرشد . وقوله تعالى لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ تعالى للتنزهه مما نسب إليه . بمعنى أن كل ما فيهما خلقه وملكه . فكيف يكون بعض ملكه جزءا منه ؟ إذ البنوّة والملك لا يجتمعان وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا أي : إليه