محمد جمال الدين القاسمي
478
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
مقام الرسالة لا يتخطاه وَكَلِمَتُهُ أي : مكوّن بكلمته وأمره الذي هو ( كن ) من غير واسطة أب ولا نطفة أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ أي : أوصلها إليها وحصلها فيها بنفخ جبريل عليه السلام وَرُوحٌ مِنْهُ أي بتخليقه وتكوينه كسائر الأرواح المخلوقة . وإنما أضافه إلى نفسه على سبيل التشريف والتكريم كما يقال : بيت اللّه ، وناقة اللّه . وقيل : الروح هو نفخ جبريل عليه السلام في جيب درع مريم . فحملت بإذن اللّه . سمى النفخ روحا لأنه ريح تخرج من الروح . وإنما أضافه إلى نفسه لأنه وجد بأمره تعالى وإذنه . قال أبو السعود : ( من ) لابتداء الغاية مجازا ، لا تبعيضية ، كما زعمت النصارى . يحكى أن طبيبا نصرانيّا للرشيد ، ناظر عليّ بن حسين الواقديّ المروزيّ ذات يوم ، فقال له : إن في كتابكم ما يدل على أن عيسى عليه السلام جزء منه تعالى . وتلا هذه الآية . فقرأ الواقديّ : وَسَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ [ الجاثية : 13 ] . فقال : إذن يلزم أن يكون جميع تلك الأشياء جزءا منه ، تعالى علوّا كبيرا . فانقطع النصرانيّ وأسلم . وفرح الرشيد فرحا شديدا ، ووصل الواقديّ بصلة فاخرة . وقيل : سمي روحا ، لإحيائه الموتى بإذن اللّه . وقيل : لإحيائه القلوب . كما سمى به القرآن لذلك ، في قوله تعالى : وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا [ الشورى : 52 ] . وقيل : أريد بالروح الوحي الذي أوحي إلى مريم بالبشارة . وقيل : جرت العادة بأنهم إذا أرادوا وصف شيء بغاية الطهارة والنظافة ، قالوا : إنه روح . فلما كان عيسى عليه السلام متكوّنا من النفخ ، لا من النطفة ، وصف بالروح . وتقديم كونه عليه السلام رسول اللّه في الذكر ، مع تأخره عن كونه كلمته تعالى وروحا منه ، في الوجود - لتحقيق الحق من أول الأمر بما هو نص فيه غير محتمل للتأويل ، وتعيين مآل ما يحتمله ، وسدّ باب التأويل الزائغ . انتهى . فَآمِنُوا بِاللَّهِ وخصوه بالألوهية وَرُسُلِهِ أي : جميعهم وصفوهم بالرسالة ولا تخرجوا بعضهم عن سلكهم بوصفه بالألوهية وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ أي : الآلهة ثلاثة : اللّه ، والمسيح ، ومريم . كما ينبئ عنه قوله تعالى : أَ أَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ [ المائدة : 116 ] . وقد ذكر السيد عبد اللّه الهنديّ في مناظرته مع قسيس الهند حكاية عن مناظره ؛ أنه حكى أن فرقة من النصارى تسمى ( كولى ري دينس ) كانت تقول : الآلهة ثلاثة : الأب والابن ومريم . قال : ولعل هذا الأمر كان مكتوبا في نسخهم ، لأن القرآن كذبهم . انتهى .