محمد جمال الدين القاسمي
471
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
للتراسل - أن يجعل من مراتب الأنفس البشرية مرتبة يعدّ لها ، بمحض فضله ، بعض من يصطفيه من خلقه ؟ وهو أعلم حيث يجعل رسالته . يميزهم بالفطر السليمة ويبلغ بأرواحهم من الكمال ما يليقون معه للاستشراق بأنوار علمه . والأمانة على مكنون سره . مما لو انكشف لغيرهم انكشافه لهم ، لفاضت له نفسه أو ذهبت بعقله جلالته وعظمه . فيشرفون على الغيب بإذنه ، ويعلمون ما سيكون من شأن الناس فيه ، ويكونون في مراتبهم العلوية على نسبة من العاملين . نهاية الشاهد وبداية الغائب . فهم في الدنيا كأنهم ليسوا من أهلها ، وهم وفد الآخرة في لباس من ليس من سكانها ثم يتلقون من أمره أن يحدّثوا عن جلاله ، وما خفي على العقول من شؤون حضرته الرفيعة ، بما يشاء أن يعتقده العباد فيه ، وما قدّر أن يكون له مدخل في سعادتهم الأخروية ، وأن يبينوا للناس من أحوال الآخرة ما لا بد لهم من علمه . معبرين عنه بما تحتمله طاقة عقولهم ، ولا يبعد عن متناول أفهامهم . وأن يبلغوا عنه شرائع عامة . تحدد لهم سيرهم في تقويم نفوسهم ، وكبح شهواتهم ، وتعلمهم من الأعمال ما هو مناط سعادتهم وشقائهم ، في ذلك الكون المغيّب عن مشاعرهم بتفصيله ، اللاصق علمه بأعماق ضمائرهم في إجماله . ويدخل في ذلك جميع الأحكام المتعلقة بكليات الأعمال ظاهرة وباطنة . ثم يؤيدهم بما لا تبلغه قوى البشر من الآيات . حتى تقوم بهم الحجة ويتم الإقناع بصدق الرسالة . فيكونون بذلك رسلا من لدنه إلى خلقه ، مبشرين ومنذرين . لا ريب أن الذي أحسن كل شيء خلقه ، وأبدع في كل كائن صنعه ، وجاد على كل حيّ بما إليه حاجته ، ولم يحرم من رحمته حقيرا ولا جليلا من خلقه - يكون من رأفته بالنوع الذي أجاد صنعه ، وأقام له من قبول العلم ما يقوم مقام المواهب التي اختص بها غيره - أن ينقذه من حيرته ، ويخلصه من التخبط في أهم حياتيه والضلال في أفضل حاليه . يقول قائل : ولم لم يودع في الغرائز ما تحتاج إليه من العلم ، ولم يضع فيها الانقياد إلى العمل ، وسلوك الطريق المؤدية إلى الغاية في الحياة الآخرة ؟ وما هذا النحو من عجائب الرحمة في الهداية والتعليم ؟ وهو قول يصدر عن شطط العقل ، والغفلة عن موضوع البحث وهو النوع الإنسانيّ . ذلك النوع ، على ما به ، وما دخل في تقويم جوهره من الروح المفكر ، وما اقتضاه ذلك من الاختلاف في مراتب الاستعداد باختلاف أفراده ، وأن لا يكون كل فرد منه مستعدا لكل حال بطبعه ، وأن يكون وضع وجوده على عماد البحث والاستدلال . فلو ألهم حاجاته كما تلهم الحيوانات ، لم