محمد جمال الدين القاسمي
472
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
يكن هو ذلك النوع ، بل كان إمّا حيوانا آخر ، كالنحل والنمل ، أو ملكا من الملائكة . ليس من سكان هذه الأرض . ثم قال : إن كان الإنسان قد فطر على أن يعيش في جملة ، ولم يمنح مع تلك الفطرة ما منحه النحل وبعض أفراد النمل مثلا ؛ من الإلهام الهادي إلى ما يلزم ذلك ، وإنما ترك إلى فكره يتصرف فيه ، كما فطر على الشعور بقاهر تنساق نفسه بالرغم عنها إلى معرفته ، ولم يفض عليه ، مع ذلك الشعور ، عرفانه بذات ذلك القاهر ولا صفاته ، وإنما ألقي به في مطارح النظر تحمله الأفكار في مجاريها . وترمي به إلى حيث يدري ولا يدري . وفي كل ذلك الويل على جامعته ، والخطر على وجوده . أفهل مني هذا النوع بالنقص ، ورزئ بالقصور عن مثل ما بلغه أضعف الحيوانات وأحطها في منازل الوجود ؟ نعم ، هو كذلك . لولا ما أتاه الصانع الحكيم من ناحية ضعفه . الإنسان عجيب في شأنه : يصعد بقوة عقله إلى أعلى مراتب الملكوت ، ويطاول بفكره أرفع معالم الجبروت . ويسامي بقوته ما يعظم عن أن يسامي من قوى الكون الأعظم . ثم يصغر ويتضاءل وينحط إلى أدنى درك من الاستكانة والخضوع ، متى عرض له أمر ما ، لم يعرف سببه ولم يدرك منشأه . ذلك لسرّ عرفه المستبصرون . واستشعرته نفوس الناس أجمعين . من ذلك الضعف قيد إلى هواه . ومن تلك الضعة أخذ بيده إلى شرف سعادته . أكمل الواهب الجواد لجملته ، ما اقتضته حكمته في تخصيص نوعه ، بما يميزه عن غيره ، أن ينقص من أفراده . وكما جاد على كل شخص بالعقل المصرّف للحواس ، لينظر في طلب اللقمة ، وستر العورة والتوقي من الحر والبرد - جاد على الجملة بما هو أمسّ بالحاجة في البقاء ، وآثر في الوقاية من غوائل الشقاء . وأحفظ لنظام الاجتماع الذي هو عماد كونه بالإجماع . منّ عليه بالنائب الحقيقيّ عن المحبة ، بل الراجع بها إلى النفوس التي أقفرت منها . لم يخالف سنته فيه ، من بناء كونه على قاعدة التعليم والإرشاد . غير أنه أتاه مع ذلك من أضعف الجهات فيه ، وهي جهة الخضوع والاستكانة . فأقام له من بين أفراده مرشدين هادين . وميزهم من بينها بخصائص في أنفسهم لا يشركهم فيها سواهم . وأيد ذلك ، زيادة في الإقناع ، بآيات باهرات تملك النفوس ، وتأخذ الطريق على سوابق العقول . فيستخذي الطامح . ويذل الجامح . ويصطدم بها عقل العاقل فيرجع إلى رشده . وينبهر لها بصر الجاهل فيرتدّ عن غيه . يطرقون القلوب بقوارع من أمر اللّه . ويدهشون المدارك ببواهر من آياته . فيحيطون العقول بما لا مندوحة من الإذعان له . ويستوي في الركون لما يجيئون به المالك