محمد جمال الدين القاسمي

463

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

الرسالة تركيب من الوراثتين . لبسوا حق ورثة الأنبياء بباطل ورثة أتباع الصابئة . كما كان في مذهب أهل الكلام المحض المبتدع كالمعتزلة ، تركيب . وليس بين الأثارة النبوية وبين الأثارة الصابئة . لكن أولئك أشد اتباعا للأثارة النبوية ، وأقرب إلى مذاهب أهل السنة ، من المعتزلة ونحوهم ، من وجوه كثيرة . ولهذا وافقهم في بعض ما ابتدعوه كثير من أهل الفقه والحديث والتصوف ، لوجوه : أحدها - كثرة الحق الذي يقولونه وظهور الأثارة النبوية عندهم . الثاني - لبسهم ذلك بمقاييس عقلية بعضهما موروث عن الصابئة وبعضها مما ابتدع في الإسلام . واستيلاء ما في ذلك من الشبهات عليهم . وظنهم أنه لم يكن التمسك بالأثارة النبوية من أهل العقل والعلم إلا على هذا الوجه . الثالث - ضعف الأثارة النبوية الدافعة لهذه الشبهات والموضحة لسبيل الهدى عندهم . الرابع - العجز والتفريط الواقع في المنتسبين إلى السنة والحديث . تارة يرون ما يعلمون صحته . وتارة يكونون كالأميين الذين لا يعلمون الكتاب إلا أمانيّ ، ويعرضون عن بيان دلالة الكتاب والسنة على حقائق الأمور . فلما كان هذا منهاجهم ، وقالوا : إن القرآن غير مخلوق ، لما دل على ذلك من النصوص وإجماع السلف . ولمّا رأوا أنه مستقيم على الأصل الذي قرروه في الصفات ، ورأوا أن التوفيق بين النصوص النبوية السمعية ، وبين القياس العقليّ ، لا يستقيم إلا أن يجعلوا القرآن معنى قائما بنفس اللّه تعالى كسائر الصفات . كما جعله الأوّلون من باب المصنوعات المخلوقات ، لا قديما كسائر الصفات . ورأوا أنه ليس إلا مخلوقا أو قديما ، فإن إثبات قسم ثالث قائم باللّه يقتضي حلول الحوادث بذاته ، وهو دليل على حدوث الموصوف ، ويبطل لدلالة حدوث العالم ، ثم رأوا أنه لا يجوز أن يكون معاني كثيرة ، بل إما معنى واحدا عند طائفة ، أو معاني أربعة عند طائفة ، ولتزموا على هذا أن حقيقة الكلام هي المعنى القائم بالنفس ، وأن الحروف والأصوات ليست من حقيقة الكلام ، بل دالة عليه . فتسمى باسمه إما مجازا عند طائفة أو حقيقة بطريق الاشتراك عند طائفة . وإما مجازا في كلام اللّه ، حقيقة في غيره عند طائفة . وخالفهم الأولون وبعض من يستنن أيضا ، وقالوا : لا حقيقة للكلام إلا الحروف والأصوات ، وليس وراء ذلك معنى إلا العلم ونوعه ، أو الإرادة ونوعها . فصار النزاع بين الطائفتين . وادعى هؤلاء أن الأمر والنهي والخبر صفات للكلام إضافية . ليست أنواعا له وأقساما . وأن كلام اللّه معنى واحد . إن عبر عنه بالعربية فهو قرآن . وبالعبرية فهو توراة . وبالسريانية فهو إنجيل . وقال لهم أكثر الناس : هذا معلوم الفساد بالضرورة . كما قال الأولون : إنه خلق الكلام في الهواء فصار متكلما به . وإن المتكلم من أحدث الكلام