محمد جمال الدين القاسمي
464
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
ولو في ذات غير ذاته . وقال لهم أكثر الناس : إن هذا معلوم الفساد بالضرورة . وقال الجمهور من جميع الطوائف : إن الكلام اسم للفظ والمعنى جميعا . كما أن الإنسان المتكلم اسم للروح والجسم جميعا . وإنه إذا أطلق على أحدهما فبقرينة . وإن معاني الكلام متنوعة ليست منحصرة في العلم والإرادة ، كتنوّع ألفاظه . وإن كانت المعاني أقرب إلى الاتحاد والاجتماع . والألفاظ أقرب إلى التعدد والتفرّق . والتزم هؤلاء أن حروف القرآن مخلوقة . وإن لم يكن عندهم المعنى الذي هو كلام اللّه مخلوقا . وفرّقوا بين كتاب اللّه وكلامه . فقالوا : كتاب اللّه هو الحروف وهو مخلوق . وكلام اللّه هو معناها غير مخلوق . وهؤلاء والأولون متفقون على خلق القرآن الذي قال الأولون : إنه مخلوق . واختلف هؤلاء أين خلقت هذه الحروف ؟ هل خلقت في الهواء أو في نفس جبرئيل أو أن جبرائيل هو الذي أحدثها أو محمد ؟ وأما جمهور الأمة وأهل الحديث والفقه والتصوف فعلى ما جاءت به الرسل وما جاء عنهم من الكتب والأثارة من العلم . وهم المتبعون للرسالة اتباعا محضا ، لم يشوبوه بما يخالفه من مقالة الصابئين . وهو أن القرآن كله كلام اللّه . لا يجعلون بعضه كلام اللّه وبعضه ليس كلام اللّه . والقرآن هو القرآن الذي يعلم المسلمون أنه القرآن . حروفه ومعانيه . والأمر والنهي . هو اللفظ والمعنى جميعا . ولهذا كان الفقهاء المصنفون في أصول الفقه من جميع الطوائف : الحنفية والمالكية والشافعية والحنبلية ، إذا لم يخرجوا عن مذاهب الأئمة والفقهاء ، إذا تكلموا في الأمر والنهي ، ذكروا ذلك ، وخالفوا من قال : إن الأمر هو المعنى المجرد . ويعلمون أهل الأثارة النبوية أهل السنة والحديث وعامة المسلمين الذين هم جماهير أهل القبلة ؛ أن قوله تعالى : ألم ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ [ البقرة : 1 - 2 ] . ونحو ذلك هو كلام اللّه لا كلام غيره . وكلام اللّه هو ما تكلم به ، لا ما خلقه في غيره ولم يتكلم هو به . ( وسئل تقي الدين أيضا ) ما تقول السادة العلماء الجهابذة أئمة الدين رضي اللّه عنهم أجمعين ، فيمن يقول : الكلام غير المتكلم والقول غير القائل . والقرآن والمقروء والقارئ كل واحد منها له معنى . بينوا لنا ذلك بيانا شافيا ليصل إلى ذهن الحاذق والبليد . أثابكم اللّه بمنه . ( فأجاب رحمه اللّه ) : الحمد للّه . من قال : إن الكلام غير المتكلم ، والقول غير القائل ، وأراد أنه مبائن له ومنفصل عنه ، فهذا خطأ وضلال . وهو من يقول : إن القرآن مخلوق . فإنهم يزعمون أن اللّه لا تقوم به صفة من الصفات لا القرآن ولا غيره . ويهمون الناس بقولهم : العلم غير العالم ، والقدرة غير القادر ، والكلام غير المتكلم .