محمد جمال الدين القاسمي
462
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
ظهور هؤلاء ، الذين هم فروع المشركين ، ومن اتبعهم ، من مبدلة الصابئين ثم مبدلة اليهود والنصارى في أوائل المائة الثانية وأوائل الثالثة ، في إمارة أبي العباس الملقب بالمأمون ، بسبب تعريب كتب الروم المشركين الصابئين . الذين كانوا قبل النصارى ، ومن أشبههم من فارس والهند . وظهرت علوم الصابئين المنجمين ونحوهم . وقد تقدم أن أهل الكلام المبتدع في الإسلام هم من فروع الصابئين . كما يقال : المعتزلة مخانيث الفلاسفة . فظهرت هذه المقالة في أهل العلم والكلام . وفي أهل السيف والإمارة . وصار في أهلها من الخلفاء والأمراء والوزراء والقضاة والفقهاء ، ما امتحنوا به المؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات . الذين اتبعوا ما أنزل إليهم من ربهم . ولم يبدلوا ويبتدعوا . وذلك لقصور وتفريط من أكثرهم ، في معرفة حقيقة ما جاء به الرسول وأتباعه . فصل فجاء قوم من متكلمي الصفاتية الذين نصروا أن اللّه له علم وقدرة وبصر وحياة ، بالمقاييس العقلية المطابقة للنصوص النبوية . وفرّقوا بين الصفات القائمة بالجواهر فجعلوها أعراضا وبين الصفات القائمة بالرب فلم يسموها أعراضا . لأن العرض ما لا يدوم وما لا يبقى . أو ما يقوم بمتحيز أو جسم . وصفات الرب لازمة دائمة ليست من جنس الأعراض القائمة بالأجسام . وهؤلاء أهل الكلام القياسي من الصفاتية ، فارقوا أولئك المبتدعة المعطلة الصابئة في كثير من أمورهم . وأثبتوا الصفات التي قد يستدل بالقياس العقليّ عليها . كالصفات السبع . وهي الحياة والعلم والقدرة والإرادة والسمع والبصر والكلام . ولهم نزاع في السمع والبصر والكلام . هل هو من الصفات العقلية أو الصفات النبوية الخبرية السمعية ؟ ولهم اختلاف في البقاء والقدم . وفي الإدراك الذي هو إدراك المشمومات والمذوقات والملموسات . ولهم أيضا اختلاف في الصفات السمعية القرآنية الخبرية . كالوجه واليد . فأكثر متقدميهم أو كلهم يثبتها . وكثير من متأخريهم لا يثبتها . وأما ما لا يرد إلا في الحديث فأكثرهم لا يثبتها . ثم منهم من يصرف النصوص عن دلالتها لأجل ما عارضها من القياس العقليّ عنده . ومنهم من يفوّض معناها . وليس الغرض هنا تفصيل مقالات الناس فيما يتعلق بسائر الصفات . وإنما المقصود القول في رسالة اللّه وكلامه الذي بلغته رسله . فكان هؤلاء ، بينهم وبين أهل الوراثة النبوية ، قدر مشترك بما ملكوه من الطرق الصائبة في أمر الخالق وأسمائه وصفاته . فصار في مذهبهم في