محمد جمال الدين القاسمي

461

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

يصح إيمان أحد إلا به معلوم بالاضطرار من دين الإسلام . وهؤلاء يخالفون الصابئة الفلاسفة الذين يقولون بقدم العالم وبأن النبوة كمال يفيض على نفس النبيّ . لأن هؤلاء المتكلمين أكثر حقّا وأتبع للأدلة العقلية والسمعية ، لما تنورت به قلوبهم من نور الإسلام والقرآن . وإن كانوا قد ضلوا في كثير مما جاء به الرسل . لكن هم خير من أولئك من وجوه أخرى وافقوا فيها . فوافقوا أولئك على أن اللّه لم يتكلم . كما وافقوهم على أنه لا علم له ولا قدرة ولا صفة من الصفات . ورأوا أن إثباته متكلما يقتضي أن يكون جسما . والجسم حادث . لأنه من الصفات الدالة على حدوث الموصوف . بل هو عندهم أدل على حدوث المتكلم من غيره . لأنه يفتقر من المخارج إلى ما لا يفتقر إليه غيره . ولأن فيه من الترتيب والتقديم والتأخير ما ليس في غيره . ولما رأوا أن الرسل اتفقت على أنه متكلم ، والقرآن مملوء من إثبات ذلك - صاروا تارة يقولون : متكلم مجازا لا حقيقة . وهذا قولهم الأول لما كانوا في بدعتهم على الفطرة . قبل أن يدخلوا في المعاندة والجحود . ثم إنهم رأوا هذا شنيعا فقالوا : بل هو متكلم حقيقة . وربما حكى بعض متكلميهم الإجماع . وليس عندهم كذلك . بل حقيقة قولهم وأصله ، عند من عرفه وابتدعه : إن اللّه ليس بمتكلم . وقالوا : المتكلم من فعل الكلام ، ولو في محل منفصل عنه . ففسروا المتكلم في اللغة بمعنى لا يعرف في لغة العرب ولا غيرهم ، لا حقيقة ولا مجازا . وهذا قول من يقول : القرآن مخلوق . وهو أحد قولي الصابئة الذين يوافقون الرسل في حدوث العالم . وهو وإن كفر بما جاءت به الرسل ، فليس هو في الكفر مثل القول الأول . لأن هؤلاء لا يقولون : إن اللّه أراد أن يبعث رسولا معينا ، وأن ينزل عليه هذا الكلام الذي خلقه . وأنكروا أن يكون متكلما على الوجه الذي دلت عليه الكتب الإلهية ، واتفقت عليه أهل الفطرة السليمة . ونشأ بين هؤلاء الذين هم فروع الصابئة ، وبينا لمؤمنين أتباع الرسل ، الخلاف . فكفر هؤلاء ببعض ما جاءت به الرسل من وصف اللّه بالكلام والتكليم . واختلفوا في كتاب اللّه فآمنوا ببعض وكفروا ببعض . واتبع المؤمنون ما أنزل إليهم من ربهم من أن اللّه تكلم بالقرآن . وأنه كلم موسى تكليما . وأنه يتكلم . ولم يحرفوا الكلم عن مواضعه كما فعل الأولون . بل ردوا تحريف أولئك ببصائر الإيمان ، الذي علموا به مراد الرسل من أخبارهم برسالة اللّه وكلامه . وتبعوا هذا القرآن والحديث وإجماع السلف من الصحابة والتابعين وسائر أتباع الأنبياء . وعلموا أن قول هؤلاء أخبث من قول اليهود والنصارى . حتى كان ابن المبارك إمام المسلمين يقول : إنّا لنحكي كلام اليهود والنصارى ، ولا نستطيع أن نحكي كلام الجهمية . وكان قد كثر