محمد جمال الدين القاسمي

458

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

أصل قولهم : في أنه سبحانه لا يقدر في الأزل على الفعل والكلام . وخالفوا السلف والأئمة في قولهم : لم يزل اللّه متكلما إذا شاء . ثم افترقوا أحزابا أربعة كما تقدم : الخلقية . والحدوثية . والاتحادية . والاقترانية . وشر من هؤلاء الصائبة والفلاسفة . الذين يقولون : إن اللّه لم يتكلم لا بكلام قائم بذاته ، ولا بكلام يتكلم به بمشيئته وقدرته . لا قديم النوع ولا قديم العين . ولا حادث ولا مخلوق . بل كلامه عندهم ما يفيض على نفوس الأنبياء . ويقولون : إنه كلم موسى من سماء عقله . وقد يقولون إنه تعالى يعلم الكليات دون الجزئيات . فإنه إنما يعلمها على وجه كلّي . ويقولون ، مع ذلك : إنه يعلم نفسه ويعلم ما يفعله . وقولهم ( يعلم نفسه ومفعولاته ) حق ، كما قال تعالى : أَ لا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [ الملك : 14 ] . لكن قولهم ، مع ذلك ( إنه لا يعلم الأعيان المعينة ) جهل وتناقض . فإن نفسه المقدسة معينة . والأفلاك معينة . وكل موجود معين . فإن لم يعلم المعينات لم يعلم شيئا من الموجودات . إذ الكليات إنما تكون كليات في الأذهان لا في الأعيان . فمن لم يعلم إلا الكليات لم يعلم شيئا من الموجودات : تعالى اللّه عما يقول الظالمون علوّا كبيرا . وهم ، إنما ألجأهم إلى هذا الإلحاد فرارهم من تجدد الأحوال للباري تعالى . إن هؤلاء يقولون : إن الحوادث تقوم بالقديم . وإن الحوادث لا أول لها . لكن نفوا ذلك عن الباري . لاعتقادهم أنه لا صفة له . بل هو وجود مطلق . وقالوا : إن العلم نفس عين العالم . والقدرة نفس عين القادر . والعلم والعالم شيء واحد . والمريد والإرادة شيء واحد . فجعلوا هذه الصفة هي الأخرى . وجعلوا الصفات هي الموصوف . ومنهم من يقول : بل العلم كل المعلوم . كما يقوله الطوسيّ صاحب ( شرح الإشارات ) فإنه أنكر على ابن سينا إثباته لعلمه بنفسه وما يصدر عن نفسه . وابن سينا أقرب إلى الصواب . لكنه تناقض مع ذلك حيث نفى قيام الصفات به ، وجعل الصفة عين الموصوف ، وكل صفة هي الأخرى . ولهذا كان هؤلاء هم أوغل في الاتحاد والإلحاد ممن يقول : معاني الكلام شيء واحد . لكنهم ألزموا قولهم لأولئك فقالوا : إذا جاز أن تكون المعاني المتعددة شيئا واحدا ، جاز أن يكون العلم هو القدرة ، والقدرة على الإرادة . فاعترف حذاق أولئك بأن هذا الإلزام لا جواب عنه . ثم قالوا : وإذا جاز أن تكون هذه الصفة هي الأخرى ، جاز أن تكون الصفة هي الموصوف . فجاء ابن عربيّ وابن سبعين والقونويّ ونحوهم ، فقالوا : إذا جاز أن تكون هذه الصفة هي الأخرى والصفة هي الموصوف ، جاز أن يكون الموجود الواجب القديم الخالق ، هو الموجود الممكن المحدث المخلوق . فقالوا : إن وجود كل مخلوق هو عين وجود الخالق . وقالوا :