محمد جمال الدين القاسمي
459
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
الوجود واحد . ولم يفرّقوا بين الواحد بالنوع والواحد بالعين . كما لم يفرّق أولئك بين الكلام الواحد بالعين ، والكلام الواحد بالنوع . وكان منتهى أمر أهل الإلحاد في الكلام ، إلى هذا التعطيل والكفر والاتحاد . الذي قاله أهل الوحدة والحلول والاتحاد في الخالق والمخلوقات . كما أن الذين لم يفرقوا بين نوع الكلام وعينه ، وقالوا : هو يتكلم بحرف وصوت قديم ، قالوا : أولا إنه لا يتكلم بمشيئته وقدرته ، ولا تسبق الباء السين ، بل لما نادى موسى فقال : إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي . إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ ، كانت الهمزة والنون وما بينهما موجودا في الأزل ، يقارن بعضها بعضا ، لم تزل ولا تزال لازمة لذات اللّه . ثم قال فريق منهم : إن ذلك القديم هو نفس الأصوات المسموعة من القرّاء . وقال بعضهم : بل المسموع صوتان : قديم ومحدث . وقال بعضهم : أشكال المداد قديمة أزلية . وقال بعضهم : محل المداد قديم أزليّ . وحكي عن بعضهم أنه قال : المداد قديم أزليّ وأكثرهم يتكلمون بلفظ القديم ولا يفهمون معناه . بل منهم من يظن أنه قديم في علمه . ومنهم من يظن أن معناه متقدم على غيره . ومنهم من يظن أن معنى اللفظ أنه غير مخلوق . ومنهم من لا يميز بين ما يقول . فصار هؤلاء حلولية اتحادية في الصفات . ومنهم من يقول بالحلول والاتحاد في الذات والصفات . وكان منتهى أمر هؤلاء وهؤلاء إلى التعطيل . والصواب في هذا الباب وغيره ، مذهب سلف الأمة وأئمتها : أنه سبحانه لم يزل متكلما إذا شاء . وأنه يتكلم بمشيئته وقدرته . وأن كلماته لا نهاية لها . وأنه نادى موسى بصوت سمعه موسى . وإنما ناداه حين أتى . لم يناده قبل ذلك . وأن صوت الرب لا يماثل أصوات العباد ، كما أن علمه لا يماثل علمهم . وقدرته لا تماثل قدرتهم . وأنه سبحانه بائن عن مخلوقاته بذاته وصفاته . ليس في مخلوقاته شيء من ذاته وصفاته القائمة بذاته . ولا في ذاته شيء من مخلوقاته . وأن أقوال أهل التعطيل والاتحاد الذين عطلوا الذات أو الصفات أو الكلام أو الأفعال - باطلة . وأقوال أهل الحلول الذين يقولون بالحلول في الذات والصفات - باطلة . وهذه الأمور مبسوطة في غير هذا الموضع . وقد بسطناها في ( الواجب الكبير ) . واللّه أعلم بالصواب . ( وقال تقي الدين أيضا في مقالة له في هذا البحث ) : أول من أظهر إنكار التكليم والمخالّة الجعد بن درهم في أوائل المائة الثانية . وأمر علماء الإسلام ، كالحسن البصريّ وغيره ، بقتله . فضحّى به خالد بن عبد اللّه القسريّ ، أمير العراق بواسط . فقال : أيها الناس ضحوا . تقبل اللّه ضحاياكم . فإني مضحّ بالجعد بن درهم . إنه زعم أن اللّه لم يتخذ إبراهيم خليلا . ولم يكلم موسى تكليما . تعالى اللّه عما يقول الجعد علوّا كبيرا .