محمد جمال الدين القاسمي
457
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
الفعل فيما لا يزال ، مع امتناع الفعل عليه في الأزل . فيجمعون بين النقيضين . حيث يصفونه بالقدرة في حال امتناع المقدور لذاته . إذ كان الفعل يستلزم أن يكون له أولا . والأزل لا أول له . والجمع بين إثبات الأولية ونفيها جمع بين النقيضين . ولم يهتدوا إلى الفرق بين ما يستلزم الأولية والحدوث . وهو الفعل المعين والمفعول المعين . وبين ما لا يستلزم ذلك وهو نوع الفعل والكلام . بل هذا يكون دائما . وإن كان كلّ من آحاده حادثا . كما يكون دائما في المستقبل ، وإن كان كل من آحاده فانيا . بخلاف خالق يلزمه مخلوقه المعين دائما ، فإن هذا هو الباطل في صريح العقل وصحيح النقل . ولهذا اتفقت فطر العقلاء على إنكار ذلك . لم ينازع فيه إلا شرذمة من المتفلسفة ، كابن سينا وأمثاله الذين زعموا أن الممكن المفعول قد يكون قديما واجب الوجود بغيره . فخالفوا في ذلك جماهير العقلاء . مع مخالفتهم لسلفهم ، أرسطو وأتباعه ، فإنهم لم يكونوا يقولون ذلك . وإن قالوا بقدم الأفلاك . وأرسطو أول من قال بقدمها من الفلاسفة المشائين . بناء على إثبات علة غاية لحركة الفلك . بتحرك الفلك للنسبة بها . لم يثبتوا له فاعلا مبتدعا . ولم يثبتوا ممكنا قديما واجبا بغيره . وهم ، وإن كانوا أجهل باللّه وأكفر من متأخريهم ، فهم يسلمون لجمهور العقلاء ، أن ما كان ممكنا بذاته فلا يكون إلا محدثا مسبوقا بالعدم . فاحتاجوا أن يقولوا : كلامه مخلوق منفصل عنه . وطائفة وافقتهم على امتناع وجود ما لا نهاية له . لكن قالوا : تقوم به الأمور الاختيارية . فقالوا : إنه في الأزل لم يكن متكلما ، بل ولا كان الكلام مقدورا له . ثم صار متكلما بلا حدوث حادث ، بكلام يقوم به . وهو قول الهاشمية والكرامية وغيرهم . وطائفة قالت : إذا كان القرآن غير مخلوق ، فلا يكون إلا قديم العين ، لازما لذات الرب . فلا يتكلم بمشيئته وقدرته . ثم منهم من قال : هو معنى واحد لا يتعدد ولا يتبعض . ومنهم من قال : إنه حروف وأصوات مقترنة لازمة للذات . وهؤلاء أيضا وافقوا الجهمية والمعتزلة في أصل قولهم أنه متكلم بكلام لا يقوم بنفسه ومشيئته وقدرته . وأنه لا تقوم به الأمور الاختيارية . وأنه لم يستو على عرشه بعد أن خلق السماوات والأرض . ولن يأتي يوم القيامة . ولم يناد موسى حين ناداه . ولا تغضبه المعاصي ولا ترضيه الطاعات . ولا تفرحه توبة التائبين . وقالوا في قوله : وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ [ التوبة : 105 ] ، ونحو ذلك ، أنه لا يراها إذا وجدت . بل إما أنه لم يزل رائيا لها . وإمّا أنه لم يتجدد شيء موجود ، بل تعلق معدوم . إلي أمثال هذه المقالات التي خالفوا فيها نصوص الكتاب والسنة . مع مخالفة صريح العقل . والذي ألجأهم لذلك ، موافقتهم للجهمية على