محمد جمال الدين القاسمي
456
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
بقدمه . فضلّوا في ذلك وخالفوا صريح المعقول وصحيح المنقول . فإن الأدلة لا تدل على قدم شيء بعينه من العالم . بل تدل على أن ما سوى اللّه مخلوق حادث . بعد أن لم يكن . إذ هو فاعل بقدرته ومشيئته . كما تدل على ذلك الدلائل القطعية . والفاعل بمشيئته لا يكون شيء من مفعوله لازما ، بصريح العقل واتفاق عامة العقلاء . بل وكل فاعل لا يكون شيء من مفعوله لازما لذاته . ولا يتصور مقارنة مفعوله المعين ، له . ولو قدر أنه فاعل بغير إرادة . فكيف بالفاعل بالإرادة ؟ وما يذكر بأن المعلول يقارن علته ، إنما يصح فيما كان من العلل يجري مجرى الشروط . فإن الشرط لا يجب أن يتقدم على المشروط . بل قد يقارنه . كما تقارن الحياة العلم . وأما ما كان فاعلا ، سواء سمي علة أو لم يسم ، فلا بد أن يتقدم على الفعل المعين . والفعل المعين لا يجوز أن يقارنه شيء من مفعولاته . ولا يعرف العقلاء فاعلا قط يلتزمه مفعول معين . وقول القائل ( حركت يدي فتحرك الخاتم ) هو من باب الشروط لا من باب الفاعلين . ولأنه لو كان العالم قديما لكان فاعله موجبا بذاته في الأزل . ولم يتأخر عنه موجبه ومقتضاه . ولو كان كذلك لم يحدث شيئا من الحوادث . وهذا خلاف المشاهدة . وإن كان هو سبحانه لم يزل قادرا على الكلام والفعل . بل لم يزل متكلما إذ شاء ، فاعلا لما يشاء ، ولم يزل موصوفا بصفات الكمال ، منعوتا بنعوت الجلال والإكرام . والعالم فيه من الإحكام والإتقان ما دل على علم الرب . وفيه من الاختصاص ما دل على مشيئته . وفيه من الإحسان ما دل على رحمته . وفيه من العواقب الحميدة ما دل على حكمته . وفيه من الحوادث ما دل على قدرة الرب تعالى . مع أن الرب مستحق لصفات الكمال لذاته ، فإنه مستحق لكل كمال ممكن للوجود . لا نقص فيه . منزه عن كل نقص . وهو سبحانه ليس له كفؤ في شيء من أموره . فهو موصوف بصفات الكمال على وجه التفصيل . منزه فيها عن التشبيه والتمثيل . ومنزه عن النقائص مطلقا . فإن وصفه بها من أعظم الأباطيل . وكماله من لوازم ذاته المقدسة . لا يستفيده من غيره . بل هو المنعم على خلقه بالخلق والإنشاء . وما جعله فيهم من صفات الأحياء . وخالق صفات الكمال أحق بها من لا كفؤ له فيها وأصل اضطراب الناس في مسألة كلام اللّه ، أن الجهمية والمعتزلة ، لما ناظرت الفلاسفة في مسألة حدوث العالم ، اعتقدوا أن ما يقوم به من الصفات والأفعال المتعاقبة لا يكون إلا حادثا . بناء على أن ما لا يتناهى لا يمكن وجوده . والتزموا أن الرب كان في الأزل غير قادر على الفعل والكلام . بل كان ذلك ممتنعا عليه . وكان معطلا عن ذلك . وقد يعبرون عن ذلك بأنه كان قادرا في الأزل على