محمد جمال الدين القاسمي

455

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

كُنْ فَيَكُونُ [ آل عمران : 59 ] . فأخبر أنه قال له : كن فيكون . بعد أن خلقه من تراب . ومثل هذا الخبر في القرآن كثير . يخبر أنه تكلم في وقت معين . ونادى في وقت معين . وقد ثبت في الصحيحين « 1 » عن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم ؛ أنه لما خرج إلى الصفا قرأ قوله تعالى : إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ [ البقرة : 158 ] . قال : نبدأ بما بدأ اللّه به . فأخبر أن اللّه بدأ بالصفا قبل المروة . والسلف اتفقوا على أن كلام اللّه منزل غير مخلوق . منه بدأ وإليه يعود . فظن بعض الناس أن مرادهم أنه قديم العين . ثم قالت طائفة : هو معنى واحد . وهو الأمر بكل مأمور والنهي عن كل منهيّ والخبر بكل مخبر . إن عبر عنه بالعربية كان قرآنا ، وإن عبر عنه بالعبرانية كان توراة ، وإن عبر عنه بالسريانية كان إنجيلا . وهذا القول مخالف للشرع والعقل . وقالت طائفة : هو حروف وأصوات قديمة الأعيان ، لازمة لذات اللّه ، لم تزل لازمة لذاته . وأن الباء والسين والميم موجودة مقترنة بعضها ببعض معا . أزلا وأبدا . لم تزل ولا تزال . لم يسبق منها شيء شيئا . وهذا أيضا مخالف للشرع والعقل . وقالت طائفة : إن اللّه لا يتكلم بمشيئته وقدرته . وإنه في الأزل كان متكلما بالنداء الذي سمعه موسى . وإنما تجدد استماع موسى . لا أنه ناداه حين أتى الوادي المقدس ، بل ناداه قبل ذلك بما لا يتناهى . ولكن تلك الساعة سمع النداء . وهؤلاء وافقوا الذين قالوا : إن القرآن مخلوق ، في أصل قولهم . فإن أصل قولهم : إن الرب لا تقوم به الأمور الاختيارية . فلا يقوم به كلام ولا فعل باختياره ومشيئته . وقالوا : هذه حوادث . والرب لا تقوم به الحوادث . فخالفوا صحيح المنقول وصريح المعقول . واعتقدوا أنهم بهذا يردون على الفلاسفة ويثبتون حدوث العالم . وأخطئوا في ذلك . فلا للإسلام نصروا ولا للفلاسفة كسروا . وادعوا أن الرب لم يكن قادرا في الأزل على كلام يتكلم به ، ولا فعل يفعله . وأنه صار قادرا بعد أن لم يكن قادرا . بغير أمر حدث . أو يغيّرون العبارة فيقولون : لم يزل قادرا . لكن يقولون : إن المقدور كان ممتنعا . وإن الفعل صار ممكنا له ، بعد أن صار ممتنعا عليه . من غير تجدد شيء . وقد يعبرون عن ذلك بأن يقولوا : كان قادرا في الأزل على ما يمكن ، فيما لا يزال على ما لا يمكن في الأزل . فيجمعون بين النقيضين . حيث يثبتونه قادرا في حال كونه المقدور عليه ممتنعا عندهم . ولم يفرقوا بين نوع الكلام والفعل ، وبين عينه كما لم يفرّق الفلاسفة بين هذا وهذا . بل الفلاسفة ادعوا أن مفعوله المعين قديم

--> ( 1 ) أخرجه مسلم في : الحج ، 19 - باب حجة النبيّ صلى اللّه عليه وسلم ، حديث 147 .