محمد جمال الدين القاسمي
454
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
الذي أنزل على نبيه . سواء كتب بشكل ونقط ، أو بغير شكل ونقط . والمداد الذي كتب به القرآن ليس بقديم بل هو مخلوق . والقرآن الذي كتب في المصحف بالمداد هو كلام اللّه منزل ، غير مخلوق . والمصاحف يجب احترامها باتفاق المسلمين . لأن كلام اللّه مكتوب فيها . واحترام النقط والشكل ، إذا كتب المصحف مشكلا منقوطا ، كاحترام الحروف باتفاق علماء المسلمين . كما أن حرمة إعراب القرآن كحرمة حروفه المنقوطة باتفاق المسلمين . ولهذا قال أبو بكر وعمر : حفظ إعراب القرآن أحب إلينا من حفظ بعض حروفه . واللّه تكلم بالقرآن بحروفه ومعانيه . فجميعه كلام اللّه . فلا يقال : بعضه كلام اللّه وبعضه ليس بكلام اللّه . وهو سبحانه نادى موسى . بصوت سمعه موسى . فإنه قد أخبر أنه نادى موسى في غير موضع من القرآن . كما قال تعالى : هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى إِذْ ناداهُ رَبُّهُ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً [ النازعات : 15 - 16 ] . . والنداء لا يكون إلا صوتا باتفاق أهل اللغة . وقد قال تعالى : إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَعِيسى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهارُونَ وَسُلَيْمانَ ، وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْناهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ ، وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً [ النساء : 163 - 164 ] . فقد فرّق اللّه بين إيحائه إلى النبيين وبين تكليمه لموسى . فمن قال : إن موسى لم يسمع صوتا ، بل ألهم معناه - لم يفرق بين موسى وغيره . وقد قال تعالى : تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ . مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ [ البقرة : 253 ] ، وقال تعالى : وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ [ الشورى : 51 ] . فقد فرّق بين الإيحاء والتكلم من وراء حجاب . كما كلم اللّه موسى . فمن سوّى بين هذا وهذا ، كان ضالًّا . وقد قال الإمام أحمد رحمه اللّه وغيره : لم يزل اللّه متكلما إذا شاء . وهو يتكلم بمشيئته وقدرته . يتكلم بشيء بعد شيء . كما قال تعالى : فَلَمَّا أَتاها نُودِيَ يا مُوسى [ طه : 11 ] فناداه حين أتاها ولم يناده قبل ذلك . وقال تعالى : فَدَلَّاهُما بِغُرُورٍ ، فَلَمَّا ذاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ ، وَناداهُما رَبُّهُما أَ لَمْ أَنْهَكُما عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُما إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُما عَدُوٌّ مُبِينٌ [ الأعراف : 22 ] . فهو سبحانه ناداهما حين ذاقا الشجرة . ولم ينادهما قبل ذلك . وكذلك قال تعالى : وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ [ الأعراف : 11 ] . بعد أن خلق آدم وصوّره . ولم يأمرهم قبل ذلك . وكذا قوله : إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ ، خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ