محمد جمال الدين القاسمي

453

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

القارئ . والكلام كلام الباري . وكثير من الخائضين في هذه المسألة لا يميز بين صوت العبد وصوت الرب . بل يجعل هذا هو هذا . فينفيهما جميعا . ويثبتهما جميعا . فإذا نفى الحرف والصوت نفى أن يكون القرآن العربيّ كلام اللّه ، وأن يكون مناديا لعباده بصوته ، وأن يكون القرآن الذي يقرؤه المسلمون كلام اللّه . كما نفى أن يكون صوت العبد صفة للّه . ثم جعل كلام اللّه المتنوع شيئا واحدا . لا فرق بين القديم والحادث . وهذا مصيب في هذا الفرق دون ذاك الثاني ، الذي فيه نوع من الإلحاد والتعطيل . حيث جعل كلام اللّه المتنوع شيئا واحدا لا حقيقة له عند التحقيق . وإذا أثبت ، جعل صوت الرب هو صوت العبد ، أو سكت عن التمييز بينهما ، مع قوله : إن الحروف متعاقبة في الوجود ، مقترنة في الذات ، قديمة أزلية الأعيان ، فجعل عين صفة الرب تحل في العبد ، ويتحد بصفته ، فقال في نوع من الحلول والاتحاد يفضي إلى نوع من التعطيل . وقد علم أن نفي الفرق والمباينة ، بين الخالق وصفاته ، والمخلوق وصفاته ، خطأ وضلال . لم يذهب إليه أحد من سلف الأمة وأئمتها . بل هم متفقون على التمييز بين صوت الرب وصوت العبد . ومتفقون أن اللّه تكلم بالقرآن الذي أنزله على نبيّه محمد صلى اللّه عليه وسلم . حروفه ومعانيه . وأنه ينادي عباده بصوته . ومتفقون على أن الأصوات المسموعة من القراء أصوات العباد . وعلى أنه ليس بشيء من أصوات العباد ، ولا مداد المصاحف ، قديما . بل القرآن مكتوب في مصاحف المسلمين . مقروء بألسنتهم . محفوظ بقلوبهم . وهو كلام اللّه . والصحابة كتبوا المصاحف لما كتبوها بغير شكل ولا نقط . لأنهم كانوا عربا لا يلحنون . ثم لما حدث اللحن نقط الناس المصاحف وشكلوها . فإن كتبت بلا شكل ولا نقط جاز . وإن كتبت بنقط وشكل جاز . ولم يكره ، في أظهر قولي العلماء . وهو إحدى الروايتين عن أحمد . وحكم النقط والشكل حكم الحروف فإن الشكل يبين إعراب القرآن ، كما يبين النقط الحروف . والمداد الذي يكتب به الحروف ويكتب به الشكل والنقط ، مخلوق . وكلام اللّه العربيّ الذي أنزله وكتب في المصاحف بالشكل والنقط ، وبغير شكل ونقط ، ليس بمخلوق . وحكم الإعراب حكم الحروف . لكن الإعراب لا يستقل بنفسه . بل هو تابع للحروف المنقوطة . والشكل والنقط لا يستقل بنفسه . بل هو تابع للحروف المرسومة . فلهذا لا يحتاج لتجريدهما وإفرادهما بالكلام . بل القرآن الذي يقرؤه المسلمون هو كلام اللّه : معانيه وحروفه وإعرابه . واللّه تكلم بالقرآن العربيّ الذي أنزله على محمد صلى اللّه عليه وسلم . والناس يقرءونه بأفعالهم وأصواتهم ، والمكتوب في مصاحف المسلمين هو كلام اللّه . وهو القرآن العربيّ