محمد جمال الدين القاسمي

439

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

فإن قيل : كان الحواريون الذين أدركوه قد حصل هذا في إيمانهم ، فأين المؤمنون به الذين قال فيهم : وَجاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا [ آل عمران : 55 ] . وقوله : فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظاهِرِينَ [ الصف : 14 ] . ( قيل ) ظنّ من ظن منهم أنه صلب لا يقدح في إيمانه . إذا كان لم يحرف ما جاء به المسيح . بل هو مقر بأنه عبد اللّه ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه - فاعتقاده بعد هذا أنه صلب لا يقدح في إيمانه . فإن هذا اعتقاد موته على وجه معيّن . وغاية الصلب أن يكون قتلا له . وقتل النبيّ لا يقدح في نبوته . وقد قتل بنو إسرائيل كثيرا من الأنبياء . وقال تعالى : وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ [ آل عمران : 146 ] الآية . وقال تعالى : وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ [ آل عمران : 143 ] . وكذلك اعتقاد من اعتقد منهم أنه جاء بعد الرفع وكلمهم . هو مثل اعتقاد كثير من مشايخ المسلمين أن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم جاءهم في اليقظة . فإنهم لا يكفرون بذلك . بل هذا كان يعتقده من هو من أكثر الناس اتّباعا للسنة وأتباعا لها . وكان في الزهد والعبادة أعظم من غيره . وكان يأتيه من يظن أنه رسول اللّه فهذا غلط منه لا يوجب كفره . فكذلك ظنّ من ظن من الحواريين أن ذلك هو المسيح ، لا يوجب خروجهم عن الإيمان بالمسيح ، ولا يقدح فيما نقلوه عنه . وعمر - لما كان يعتقد أن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم لم يمت « 1 » ، ولكن ذهب إلى ربه كما ذهب موسى ، وأنه لا يموت حتى يموت أصحابه - لم يكن هذا قادحا في إيمانه . وإنما كان غلطا ورجع عنه . وقوله تعالى :

--> ( 1 ) أخرجه البخاريّ في : فضائل أصحاب النبيّ صلى اللّه عليه وسلم ، 5 - باب قول النبيّ صلى اللّه عليه وسلم « لو كنت متخذا خليلا » حديث 664 و 665 وهذا نصهما : عن عائشة رضي اللّه عنها ، زوج النبيّ صلى اللّه عليه وسلم ، أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم مات وأبو بكر بالسّنح ( يعني بالعالية ) فقام عمر يقول : والله ! ما مات رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . قالت : وقال عمر : والله ! ما كان يقع في نفسي إلا ذاك . وليبعثنّه الله فليقطعنّ أيدي رجال وأرجلهم . فجاء أبو بكر فكشف عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقبّله . قال : بأبي أنت وأمي . طبت حيّا وميتا . والذي نفسي بيده ! لا يذيقك الله الموتتين أبدا . ثم خرج فقال : أيها الحالف ! على رسلك . فلما تكلم أبو بكر جلس عمر . فحمد الله أبو بكر وأثنى عليه وقال : ألا من كان يعبد محمدا صلى اللّه عليه وسلم ، فإن محمدا قد مات . ومن كان يعبد الله فإن الله حيّ لا يموت . وقال إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ [ الزمر : 30 ] وقال : وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ ، وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً ، وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ [ آل عمران : 144 ] . قال : فنشج الناس يبكون . . . إلخ .