محمد جمال الدين القاسمي

429

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

الشعوب الشرقية ، قبل الفتح الإسلاميّ ، رفضت القتل والصلب . حتى قال ياسيليوس الباسليدي : إن نفس حادثة القيامة ، المدعى بها بعد الصلب الموهوم ، هي من ضمن البراهين الدالة على عدم حصول الصلب . ومن المعلوم أن نصارى الشام هم الذين وقعت هذه الحادثة بينهم . فهم أقرب الناس إلى العمل بحقيقتها . وكذلك من جاورهم من نصارى المصريين وغيرهم . لحصول الجوار وقرب المسافة . فكيف لا تكون شهادتهم هي عين الصواب ؟ وبذلك يتبين أن دعوى ( صاحب جريدة شهادة الحق ) الإجماع على الصلب وانفراد القرآن الشريف بنفيه - غير مسلمة ، مع وجود هذه الطوائف المنازعة في الصلب . وقد صرح القرآن بأن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إنما بعث لتصديق ما بين يديه من الحق وتبيين ما اختلف فيه طوائف النصارى مع اليهود ، والنصارى مع بعضهم بعضا . ولو حكمنا التاريخ لشهد لهؤلاء الناس وبرّز أقوالهم . وذلك أن أهل فلسطين كانوا يعبدون الأوثان ويخالفون بني إسرائيل في ديانتهم . فكان من مبادئهم ، العاملين عليها في سياستهم العمومية ، بذل المجهود وإفراغ الوسع في معاكسة عقائد اليهود . لإدخالهم في الديانة الوثنية وتقويض دعائم الشريعة الموسوية . والضغط على شعائرهم الملية . يشهد لهذا أقوال الكاتب الشهير ( أرنست رنان ) العضو في ( الأكاديمية الفرنساوية ) المنفرد بالإجادة والشهرة ، في رسالة نشرت في جريدة العالمين في 15 مارس 1893 . معنونة ب ( اليهود تحت حكم الرومان ) حيث قال : إن كل المناصب ذوات المرتب الباهظ كانت تعطى غنيمة باردة لليهود الذين يطرحون دينهم ظهريا . ويجعلون شعائرهم الملية شينا . ويعتنقون ديانة الرومان الوثنية . فكان من ضغط الرومان ومن تزلف اليهود إليهم ، ومن أطماعهم إلى الرتب والألقاب ، أن ارتد غالب سواد اليهود وعبدوا جوبيتر الألومبي . وكان الواحد منهم يخفي الاختتان بعملية شاقة جدّا ( ذكرها سلس المؤرخ الروماني الشهير ) ثم يتزيى بزي الرومان ويسحب ذيوله تيها وإعجابا بنفسه وبعوائد الرومان . وازدراء واحتقارا لبني جلدته وذوي ملته . فرحا بلقمة يلتقمها . أو مرتبة يتربع في دستها . وما زالت اليهود تترومن حتى أن الأحبار غادروا الهيكل والمجامع . واشتغلوا بملاعب الرومان الرياضية . وأخيرا آل الأمر ، قبل وجود عيسى عليه السلام ، إلى إدخال صنمهم الأكبر ووضعه في محل تقريب القربان نفسه . بحيث أن القربانات كانت تعمل أمامه . حتى كادت معالم اليهودية أن تنمحي من صحيفة الوجود . ووقع ذلك سئ الوقع وأثّر أردأ تأثير في نفوس البقية القليلة من اليهود التي اعتصمت بدينها . انتهى .