محمد جمال الدين القاسمي
430
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
وبهذا يعلم مقدار ضغط الرومان على اليهود لمحو آثار دينهم من الوجود . فليس من المعقول أن الحكومة ، وهي ما ترى من الكراهة الدينية لليهود ، تجيبهم إلى ما طلبوا من تنفيذ أمر الصلب . أو تعيره أدنى ذرة من الأهمية . خصوصا والحاكم الرومانيّ على فلسطين في ذلك الوقت ، كان يكره اليهود كما يكره أن يلقى في النار . وهم يكرهونه أشد من ذلك . دليلنا على ذلك ما كتبه المسيو رنان المذكور في كتابه المشهور المسمى ( حياة المسيح ) حينما تكلم على شكاية اليهود من عيسى بدعوى أنه غيّر التوراة . وكان ذلك على زعمهم ليستوجب قتله . حيث قال : إن حاكم فلسطين المسمى ( بونسيوس ) الملقب ( بيلاطس ) - أظهر عدم عنايته بمنازعات اليهود الداخلية وشكاويهم وخصوماتهم . بل كان يعتبر أن هذه الأعمال صادرة عن عقول مختلفة وأفكار معتلة . وبالإجمال ، كان يكره اليهود وهم يكرهونه أشد من كراهته لهم . لأنهم كانوا يجدونه قاسيا ذا أنفة وكبر . غير مكترث بهم . ولقد رموه وعابوه بجنايات لا يسعها عقل عاقل . والمتمسكون بدينهم منهم رأوا أن غرض بيلاطس هذا ، سحق أثر الشريعة الموسوية سحقا ومحوها محوا . وتعصبهم الأعمى وكراهتهم الدينية له جعلاه يأنف من أفكارهم . فإنه كان يميل كل الميل إلى الأحكام الوضعية الرومانية . التي كانت نهاية فخر كل رومانيّ في ذلك الحين . وكان يرى أفكار اليهود سخيفة تقهقرية . لأنه كلما هم بجلب النافع العام ، وسن مشروع يضمن الراحة والرفاهية ، قام الأحبار عن آخرهم وعارضوه بتفسير التوراة التي كانت تسدّ في وجهه أبواب التحسين والتغيير . فلم يعتن بجرح حواسهم ومسّ شرفهم ومعالمهم الدينية . وعاملهم بالقسوة والكبر وعدم تنفيذ رغباتهم . فانشعب الأمر ودام الفشل . وأخيرا اضطرت الحكومة إلى إقالته من منصبه بسبب قيامة اليهود عليه . ولقد كانت نفس بيلاطس تضيق ، وصدره يحرج عند مجيء شكوى ضد عيسى عليه الصلاة والسلام . حيث كان لا يسمح بتنفيذ أمر القتل عليه . وعيسى ضد اليهود ، ويعيب التوراة كما يقولون . فكان ذلك عن رغبة الحاكم . وجلّ ما يتمنى . فكيف يكون هو الآمر والمنفذ لقتله ؟ مع أنه كان قادرا على تنفيذ رغباته المضادة لليهود على خط مستقيم . والحقيقة أن بيلاطس كان ميالا كل الميل لخلاص السيد المسيح من هؤلاء الظلمة . ولعله رأى ما فيه من جميل الشيم والأخلاق الكريمة الطاهرة . فراقه ذلك ، زيادة عن كراهته لليهود . فعمل على خلاصه من الصلب . كما يتضح من إنجيل متى 27 و 24 . ولوقا 23 و 12 . ويوحنا 13 - 23 وفي بعض آيات الإنجيلين أن عيسى سوعد من زوجة بيلاطس الحاكم القائلة ( كما هو مذكور في إنجيل متى