محمد جمال الدين القاسمي
427
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ [ الفتح : 10 ] ، فهنا الفاعل الظاهر حسّا وفعلا إنما هو الرسول محمد عليه الصلاة والسلام . ولكن الفاعل الحقيقيّ إنما هو اللّه الفاعل كل شيء في الكل . ثم قال : وربما يعترض أنه ذكر في الآية نفسها أن اللّه رمى ، وإنه تعالى هو المبايع ، فنقول : كذلك في آي الصلب وإخباره مرارا عديدة صرح في الإنجيل أن الفاعل والمسلّم والبازل والحاكم والآذن في أمر الصلب إنما هو اللّه جلّ جلاله . ثم قال : نقول أخيرا : إن آية الصلب القرآنية هي صحيحة في ذاتها تماما وكمالا . ومطابقة أشد المطابقة لما ورد في نفس القرآن بهذا الشأن . ولكلّ فحوى أسفار الميثاقين أو العهدين . بكل بيان . إنما تفسيرها بمطلق النفي كان وما زال غلطا وضدّ الحقيقة والذوق اللغويّ . وضد ما جانسها في الآي الأخرى من نفس القرآن . ومن نصوص سائر الكتب المنزلة . ولا سيما الإنجيل ، الذي زبدته وروحه وقوامه وخلاصته هي كون المسيح صلب ومات وقام وعرج إلى السماء . وأرسل البارقليط الآخر الرسول محمدا مبلغ القرآن العظيم ، الحاوي روح الصدق والحق ، والمذكر بكل ما قال المسيح في الإنجيل الشريف . ثم قال : إن إنكار أمر الصلب أو إثباته ليس من الأركان في الدين عند المحمديين . ولا هو محرّم قطعا الاختلاف في تفسير بعض آيات . وقد وجد ويوجد عدة اختلافات عند اليهود والنصارى والمسلمين . وليس ذلك محرما إلا إذا آل لإنكار أو لإفساد نفس الآيات . أو إيقاع الشبهة على ذات نصوص الوحي . ففي آية الصلب ليس شيء من ذلك . بل بالعكس تأييد كل النصوص الإلهية . هذا خلاصة ما أورده في رسالته . وقد رد عليه من الفضلاء المسلمين عدد وافر ، في تآليف بديعة . منها كتاب ( السيوف البتّارة ) اعتمد مؤلفها في إيراد حججها على التواريخ الإفرنجية المعول عليها . فإن الإفرنج أعرف من غيرهم بحقيقة ما يهمهم ، وأبعد من مظنة التشيّع في شهادتهم على أنفسهم ، في أمر دينهم . قال رعاه اللّه : يعلم الواقف على حقائق التاريخ أن مسألة الصلب من أهم المسائل التي ولدت الشقاق والنفرة فيما بين النصارى عموما ونصارى مصر والشام في الأجيال الأولى خصوصا . فإنهم كانوا غالبا يرفضون حصول الصلب رفضا باتا . لأن بعضهم كان يعتبره إهانة لشرف المسيح ، ونقصا فاضحا . والبعض الآخر كان يجحده ارتكانا على الأدلة التاريخية . وهؤلاء الجاحدون للصلب طوائف كثيرة . منها :