محمد جمال الدين القاسمي

421

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

ستروا الآية التي ذكرتم ، صلبوا شخصا من أتباعه وأوهموا الناس أنه المسيح . فإذا تبين عدم الاحتجاج بإجماع اليهود والنصارى الآن على صلبه ، فنرجع إلى القرائن العقلية والنقلية . فأما العقل فلا يجوّز أن الإله القادر على كل شيء يقتله أذل عباده ، وهم اليهود . ويضربونه ويعملون به ما هو محرر في أناجيل النصارى المضطربة المحرفة المكتوبة بعد رفعه بسنين عديدة وأعوام مديدة . مع أنه يفرّ منهم مرات كثيرة ويستغيث ويطلب من اللّه تعالى تأخير أجله بقوله : أجز عني هذه الكأس . ويصرخ ويقول : إلهي ! إلهي ! لم تركتني ؟ ويسلم روحه . وعند الصلب يطلب منهم الماء لكثرة عطشه . فيعطوه خلّا بدله . وأيّ خلاص لعباده في هذه الحالة ، وهو بزعمهم أتى ليخلص العالم من الخطيئة . بل صار موقعا لهم في الإثم بسبب عدم إيمانهم به . فكيف يكون مخلصا بنفسه ؟ وأما النقل ، فقد تبين لك تهافت أناجيلهم واضطرابها ، والدلالة على عدم المعرفة به ، وعدم وجوده في قبره . والأعظم من ذلك عند كل ذي عقل سليم قوله تعالى : وَما قَتَلُوهُ وَما صَلَبُوهُ وَلكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ . وأما قول متى في ( الأصحاح السابع والعشرين ) : فصرخ يسوع أيضا بصوت عظيم وأسلم الروح ، وإذا حجاب الهيكل قد انشق إلى اثنين من فوق إلى أسفل ، والأرض تزلزلت ، والصخور تشققت والقبور تفتحت ، وقام كثير من أجساد القديسين الراقدين ، وخرجوا من القبور بعد قيامته ، ودخلوا المدينة المقدسة ، وظهروا للكثيرين - فهو قول بهت ومحال . لا يخفى بطلانه على ذوي العقول من النساء والرجال . لأنه لو كان صحيحا لأطبق الناس على نقله . ولم يتفق إخفاء مثله . ولزال الشك عن تلك الجموع في أمر يسوع . فحيث داموا على الجحد له والتكذيب ، دلّ على كذب ما نقله عباد الصليب . وإذا كان اليهود أعطوا دراهم رشوة ، كما علمت سابقا ، لحراس القبر حتى لا يخبروا القائد وسائر الناس بملك نزل من السماء على قبر يسوع ، كي لا يظن براءته مما نسب إليه أعداؤه ، فكيف تكون هذه الآيات العظيمة ؟ وتقوم الأموات من قبورها ؟ ويدخلون المدينة ؟ ولا يكون ذلك حجة على من لا يؤمن به إذ ذاك ؟ وأيضا ، ما معنى تفتح القبور وقيام القديسين من قبورهم ؟ فهل كان استبشارا بمصابه ؟ فهم إذا ذاك ليسوا من أحبابه . أو كان جزعا على مماته ؟ وخرجوا إعانة له قبل فواته ؟ فوا عجبا لرب أحياهم بعد أن كانوا رفات . ولم يعينوه حتى قضى ومات . وأحيي الرمم ، وصرخ عند تسليم الروح . ولم يقدر على إبراء ما فيه من جروح . وليت شعري ما عمل هؤلاء القديسون ؟ أبقوا في المدينة المقدسة ؟ أم كروا إلى قبورهم فهم راجعون ؟ وهل التأم الهيكل والصخور ؟ أم دامت على انشقاقها إلى كثير من الدهور ؟