محمد جمال الدين القاسمي

422

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

فإن قيل : إنما لم يشتهر ذلك ، لأن أصحاب المسيح لم يحضر منهم أحد خوفا من اليهود ، والذين شاهدوا هذه الآيات من اليهود تواطؤوا على الكتمان حسدا وبغيا . قلنا : مثل هذه الآيات العظيمة إذا وقعت ، علمها من حضر ومن غاب ، من الأعداء والأحباب . لأنها آيات نهارية . ومعجزات تشتهر في البرية . ويتناقلها أهل البلدان . وتبقى مؤرخة بكل لسان . في سائر الملل بكل أرض وزمان . فعلم بالضرورة أن هذه الأقوال . مما اخترعها وحررها أئمة الضلال . ليخدعوا بها ضعفاء العقول . ويتوصلوا إلى جذب الدنيا بالكذب على هذا الرسول . انتهى . وقال الإمام ابن حزم رحمه اللّه في كتابه ( الملل ) عند الكلام على النصارى : ومما يعترض به علينا اليهود والنصارى ، ومن ذهب إلى إسقاط الكوافّ ( جمع كافة ) من سائر الملحدين ، أن قال قائلهم : قد نقلت اليهود والنصارى أن المسيح عليه السلام قد صلب وقتل . وجاء القرآن بأنه صلى اللّه عليه وسلم لم يقتل ولم يصلب . فقولوا لنا : كيف كان هذا ؟ فإن جوزتم على هذه الكواف العظام المختلفة الأهواء والأديان والأزمان والبلدان والأجناس ، نقل الباطل فليست بذلك أولى من كافتكم التي نقلت أعلام نبيكم وشرائعه وكتابه . فإن قلتم : اشتبه عليهم فلم يتعمدوا نقل الباطل ، فقد جوزتم التلبيس على الكواف . فلعل كافتكم أيضا ملتبس عليها . فليس سائر الكواف أولى بذلك من كافتكم ، وقولوا لنا : كيف فرض الإقرار بصلب المسيح عندكم قبل ورود الخبر عليكم ببطلان صلبه وقتله ؟ فإن قلتم : كان الفرض على الناس الإقرار بصلبه ، وجب من قولكم الإقرار أن اللّه فرض على الناس الإقرار بالباطل . وأن اللّه تعالى فرض على الناس تصديق الباطل والتديّن به . وفي هذا ما فيه . وإن قلتم : كان الفرض عليكم الإنكار لصلبه ، فقد أوجبتم أن اللّه تعالى فرض على الناس تكذيب الكواف . وفي هذا إبطال قول كافتكم . بل إبطال جميع الشرائع . بل إبطال كل خبر كان في العالم ، عن كل بلد وملك ، ونبي وفيلسوف وعالم ، ووقعتم . وفي هذا ما فيه . قال أبو محمد رضي اللّه عنه : هذه الإلزامات كلها فاسدة في غاية الحوالة والاضمحلال بحمد اللّه تعالى . ونحن مبيّنون ذلك بالبراهين الضرورية بيانا لا يخفى على من له أدنى فهم . بحول اللّه تعالى وقوته فنقول وباللّه التوفيق : إن صلب المسيح لم يقله قط كافة . ولا صح بالخبر قط . لأن الكافة التي يلزم قبول نقلها هي إما الجماعة التي يوقن أنها لم تتواطأ ، لتنابذ طرقهم ، وعدم التقائهم ، وامتناع اتفاق خواطرهم ، على الخبر الذي نقلوه عن مشاهدة ، أو رجع إلى مشاهدة ، ولو كانوا اثنين فصاعدا . وإما أن يكون عدد كثير يمتنع منه الاتفاق في الطبيعة على التمادي على