محمد جمال الدين القاسمي
370
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
الرسل ، بمعنى الكتب وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيداً أي : خرج عن الهدى وبعد عن القصد كل البعد . ما الكفر باللّه فظاهر . وأما بالملائكة فلأنهم المقربون إليه . وأما بالكتب فلأنها الهادية إليه . وأما بالرسل فلأنهم الداعون إليه . وأما باليوم الآخر فلأن فيه نفع إقامته وضرر تركه . فإذا أنكر لزم إنكار النفع الحقيقيّ والضرر الحقيقيّ فهو الضلال البعيد . ثم الكفر بالملائكة كفر بمظاهر باطنة . وبالكتب كفر بمظاهر صفة كلامه . وبالرسل كفر بأتم مظاهره . وباليوم الآخر كفر بدوام ربوبيته وعدله . ثم الكفر بالملائكة يدعو إلى الإيمان بالشياطين . وبكتب اللّه إلى الإيمان بكتب الكفرة . وبالرسل إلى تقليد الآباء ، وباليوم الآخر إلى الاجتراء على القبائح . وكل ذلك ضلال بعيد . أفاده المهايميّ . ولما أمر تعالى بالإيمان ورغب فيه ، بيّن فساد طريقة من يكفر بعد الإيمان ، فقال : القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة النساء ( 4 ) : آية 137 ] إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً ( 137 ) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا في الآية وجوه : الأول - أن المراد الذين تكرر منهم الارتداد ، وعهد منهم ازدياد الكفر والإصرار عليه ، يستبعد منهم أن يحدثوا ما يستحقون به المغفرة ويستوجبون اللطف ، من إيمان صحيح ثابت يرضاه اللّه . لأن قول أولئك ، الذين هذا ديدنهم ، قلوب قد ضريت بالكفر ومرنت على الردّة . وكان الإيمان أهون شيء عندهم وأدونه حيث يبدو لهم فيه كرة بعد أخرى . وليس المعنى أنهم لو أخلصوا الإيمان بعد تكرار الردة ، ونصحت توبتهم ، لم يقبل منهم ولم يغفر لهم . لأن ذلك مقبول . حيث هو بذل للطاقة واستفراغ الوسع . ولكنه استبعاد له واستغراب . وإنه أمر لا يكاد يكون . وهكذا نرى الفاسق الذي يتوب ثم يرجع ، ثم يتوب ثم يرجع ، فإنه لا يكاد يرجى منه الثبات . والغالب أنه يموت على الفسق . فكذا هنا . الثاني - قال بعضهم : هم اليهود . آمنوا بالتوراة وبموسى ثم كفروا حين عبدوا العجل . ثم آمنوا بعد عوده إليهم ثم كفروا بعيسى والإنجيل . ثم ازدادوا كفرا بمحمد صلى اللّه عليه وسلم . وقد أورد على هذا الوجه أن الذين ازدادوا كفرا بمحمد صلى اللّه عليه وسلم ليسوا مؤمنين بموسى . ثم كافرين بالعجل ، ثم مؤمنين بالعود ، ثم كافرين بعيسى . بل هم إما مؤمنون بموسى وغيره ، أو كفار لكفرهم بعيسى والإنجيل . والجواب : أن هذا إنما يرد لو أريد قوم بأعيانهم :