محمد جمال الدين القاسمي
352
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
يتزايد في هذه الأحوال الشريفة إلى أن يصير بحيث لا يرى إلا اللّه ، ولا يسمع إلا اللّه ، ولا يتحرك إلا باللّه ، ولا يسكن إلا باللّه ، ولا يمشي إلا باللّه ؛ فكأن نور جلال اللّه قد سرى في جميع قواه الجسمانية . وتخلل فيها وغاص في جواهرها . وتوغل في ماهياتها . فمثل هذا الإنسان هو الموصوف ، حقا ، بأنه خليل . لما أنه تخللت محبة اللّه في جميع قواه . وإليه الإشارة بقول « 1 » النبيّ صلى اللّه عليه وسلم ، في دعائه : اللهم ! اجعل في قلبي نورا وفي سمعي نورا وفي بصري نورا وفي عصبي نورا . انتهى . قال الإمام العلامة شمس الدين بن القيّم في كتابه ( الجواب الكافي ) : الخلة تتضمن كمال المحبة ونهايتها . بحيث لا يبقى في القلب سعة لغير محبوبه . وهي منصب لا يقبل المشاركة بوجه ما . وهذا المنصب خاصة للخليلين صلوات اللّه وسلامه عليهما : إبراهيم ومحمد . كما قال صلى اللّه عليه وسلم : إن اللّه اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا . وفي الصحيح « 2 » عنه صلى اللّه عليه وسلم : لو كنت متخذا من أهل الأرض خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا . ولكن صاحبكم خليل اللّه . وفي حديث « 3 » آخر : إني أبرأ إلى كل خليل من خلته . ولما سأل إبراهيم عليه السلام الولد ، فأعطيه ، فتعلق حبه بقلبه ، فأخذ منه شعبة ، غار الحبيب على خليله أن يكون في قلبه موضع لغيره . فأمر بذبحه . وكان الأمر في المنام ليكون تنفيذ المأمور به أعظم ابتلاء وامتحانا . ولم يكن
--> ( 1 ) أخرجه مسلم في : صلاة المسافرين وقصرها ، حديث 181 ونصه : عن ابن عباس قال : بت ليلة عند خالتي ميمونة . فقام النبيّ صلى اللّه عليه وسلم من الليل . فأتى حاجته . ثم غسل وجهه ويديه . ثم نام . ثم قام فأتى القربة فأطلق شناقها ( الشناق هو الخيط الذي تربط به في الوتد . وقيل : هو الوكاء ) ثم توضأ وضوءا بين الوضوءين . ولم يكثر . وقد أبلغ . ثم قام فصلى فقمت فتمطيت كراهة أن يرى أني كنت أنتبه له . فتوضأت . فقام فصلى . فقمت عن يساره . فأخذ بيدي فأدارني عن يمينه . فتتامّت صلاة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من الليل ثلاث عشرة ركعة . ثم اضطجع . فنام حتى نفخ . وكان إذا نام نفخ . فأتاه بلال فآذنه بالصلاة . فقام فصلى ولم يتوضأ . وكان في دعائه « اللهم ! اجعل في قلبي نورا ، وفي بصري نورا ، وفي سمعي نورا ، وعن يميني نورا ، وعن يساري نورا ، وفوقي نورا ، وتحتي نورا ، وأمامي نورا ، وخلفي نورا ، وعظّم لي نورا » . ( 2 ) أخرجه البخاريّ في : فضائل أصحاب النبيّ صلى اللّه عليه وسلم ، 5 - باب قول النبيّ صلى اللّه عليه وسلم : لو كنت خليلا ، حديث 312 ونصه : عن ابن عباس رضي اللّه عنهما عن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم قال « لو كنت متخذا من أمتي خليلا لاتخذت أبا بكر . ولكن أخي وصاحبي » . و فيه أيضا عنه ، قال : « لو كنت متخذا خليلا لاتخذته خليلا ، ولكن أخوة الإسلام أفضل » . ( 3 ) أخرجه ابن ماجة في المقدمة ، 11 - باب في فضائل أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، حديث 93 ، ونصه عن عبد الله قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « ألا إني أبرأ إلى كل خليل من خلته . ولو كنت متخذا خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا . إن صاحبكم خليل الله » .