محمد جمال الدين القاسمي
353
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
المقصود ذبح الولد . ولكن المقصود ذبحه من قلبه . ليخلص القلب للرب . فلما بادر الخليل عليه الصلاة والسلام إلى الامتثال ، وقدم محبة اللّه على محبة ولده ، حصل المقصود . فرفع الذبح وفدي بذبح عظيم . فإن الرب تعالى ما أمر بشيء ثم أبطله رأسا . بل لا بد أن يبقى بعضه أو بدله . كما أبقى شريعة الفداء . وكما أبقى استحباب الصدقة بين يدي المناجاة . وكما أبقى الخمس الصلوات بعد رفع الخمسين ، وأبقى ثوابها . وقال : ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ [ ق : 29 ] . هي خمس في الفعل وخمسون في الأجر . ثم قال ابن القيّم قدس سره : وأما ما يظنه بعض الظانين ؛ أن المحبة أكمل من الخلة ، وأن إبراهيم خليل اللّه ومحمد صلى اللّه عليه وسلم حبيب اللّه ، فمن جهله . فإن المحبة عامة والخلة خاصة . والخلة نهاية المحبة . وقد أخبر النبيّ صلى اللّه عليه وسلم أن اللّه اتخذ إبراهيم خليلا . ونفى أن يكون له خليل غير ربه . مع إخباره بحبه لعائشة ولأبيها ولعمر بن الخطاب وغيرهم . وأيضا فإن اللّه سبحانه يُحِبُّ التَّوَّابِينَ [ البقرة : 222 ] ، وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ [ البقرة : 222 ] ، و يُحِبُّ الصَّابِرِينَ [ آل عمران : 146 ] ، و يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ * [ البقرة : 195 ] ، و يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ * [ آل عمران : 76 ] ، و يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * [ الممتحنة : 8 ] . وخلته خاصة بالخليلين عليهما الصلاة والسلام . والشاب التائب حبيب اللّه . وإنما هذا عن قلة العلم والفهم عن اللّه ورسوله صلى اللّه عليه وسلم . انتهى . وقد تمسك من زعم أن المحبة أصفى من الخلة بما رواه ابن مردويه عن ابن عباس رضي اللّه عنهما قال : جلس ناس من أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ينتظرونه . فخرج ، حتى إذا دنا منهم سمعهم يتذاكرون . فسمع حديثهم . وإذا بعضهم يقول : عجبا إن اللّه اتخذ من خلقه خليلا . فإبراهيم خليله . وقال آخر : ماذا بأعجب من أن اللّه كلم موسى تكليما . وقال الآخر : فعيسى روح اللّه وكلمته . وقال آخر : آدم اصطفاه اللّه . فخرج عليهم فسلم وقال : قد سمعت كلامكم وتعجبكم . أن إبراهيم خليل اللّه وهو كذلك . وموسى كليمه . وعيسى روحه وكلمته . وآدم اصطفاه اللّه . وهو كذلك . وكذلك محمد صلى اللّه عليه وسلم قال : ألا وإني حبيب اللّه . ولا فخر . وأنا أول شافع وأول مشفع ولا فخر . وأنا أول من يحرك حلقة الجنة فيفتح اللّه لي ويدخلنيها ومعي فقراء المؤمنين ولا فخر . وأنا أكرم الأولين والآخرين يوم القيامة ولا فخر . قال ابن كثير : وهذا حديث غريب من هذا الوجه . ولبعضه شواهد في الصحاح وغيرها . انتهى .