محمد جمال الدين القاسمي

351

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

في كونهم مفتخرين به . وإذا ثبت هذا لزم أن يكون شرع محمد مقبولا عند الكل وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلًا أي : صفيّا خالص المحبة له . وإظهاره ، عليه السلام ، في موضع الإضمار ، لتفخيم شأنه والتنصيص على أنه الممدوح . وسر هذه الجملة الترغيب في اتباع ملته عليه الصلاة والسلام . فإن من بلغ من الزلفى عند اللّه تعالى مبلغا مصححا لتسميته خليلا ، حقيق بأن يكون اتّباع طريقته أهم ما يمتد إليه أعناق الهمم ، وأشرف ما يرمق نحوه أحداق الأمم . فإن درجة الخلة أرفع مقامات المحبة . وما ذاك إلا لكثرة طاعته لربه . كما صفه به في قوله : وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى [ النجم : 37 ] قال كثير من علماء السلف : أي : قام بجميع ما أمر به ، وفي كل مقام من مقامات العبادة . فكان لا يشغله أمر جليل عن حقير . ولا كبير عن صغير . وقال تعالى وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ . . . [ البقرة : 124 ] الآية . وقال تعالى إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ . . . [ النحل : 120 ] الآية . والخليل ، لغة ، الصديق المختص . وقال ابن الأعرابيّ : الخليل الصادق . وقال الزجاج : هو المحب الذي لا خلل في محبته . وبه فسر الآية . أي : أحبه محبة تامة لا خلل فيها . وقال ابن دريد : الخليل من أصفى المودة وأصحّها . قال : ولا أزيد فيه شيئا لأنها في القرآن . انتهى . قال الرازيّ : ذكروا في اشتقاق الخليل وجوها : منها أن خليل الإنسان هو الذي يدخل في خلال أموره وأسراره . والذي دخل حبه في خلال أجزاء قلبه . ولا شك أن ذلك هو الغاية في المحبة . قيل : لما أطلع اللّه إبراهيم عليه السلام على الملكوت الأعلى والأسفل ، ودعا القوم مرة بعد أخرى إلى توحيد اللّه ، ومنعهم عن عبادة النجم والقمر والشمس ، ومنعهم عن عبادة الأوثان ، ثم سلّم للنيران ، وولده للقربان ، وماله للضيفان ، جعله اللّه إماما للخلق ورسولا إليهم ، وبشره بأن الملك والنبوة في ذريته . فلهذه الاختصاصات سماه خليلا ، لأن محبة اللّه لعبده عبارة عن إرادته لإيصال الخيرات والمنافع إليه . انتهى . وقوله : ( لأن محبة اللّه لعبده إلخ منزع كلاميّ لا سلفيّ ) . ثم قال الرازيّ : وعندي وجه آخر . وهو أن جوهر الروح ، إذا كان مضيئا مشرقا علويا قليل التعلق بالذات الجسمانية والأحوال الجسدانية ، ثم انضاف إلى مثل هذا الجوهر المقدس الشريف ، أعمال تزيده صقالة عن الكدورات الجسماني ، أفكار تزيده استنارة بالمعارف القدسية والجلايا الإلهية ، صار مثل هذا الإنسان متوغلا في عالم القدس والطهارة ، متبرئا عن علائق الجسم والحسّ . ثم لا يزال هذا الإنسان