محمد جمال الدين القاسمي

350

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

النبيّ « 1 » صلى اللّه عليه وسلم الإحسان بقوله : أن تعبد اللّه كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ الموافقة لدين الإسلام ، المتفق على صحتها وقبولها حَنِيفاً أي : مائلا عن الشرك قصدا . أي : تاركا له عن بصيرة ، ومقبل على الحق بكليته ، لا يصده عنه صادّ ، ولا يرده عنه رادّ . قال الرازيّ : اعلم أنه تعالى لما شرط حصول النجاة والفوز بالجنة بكون الإنسان مؤمنا ، شرح الإيمان وبين فضله من وجهين : أحدهما - أنه الدين المشتمل على إظهار كمال العبودية والخضوع والانقياد للّه تعالى . والثاني - أنه الدين الذي كان عليه إبراهيم عليه السلام . وكل واحد من هذين الوجهين سبب مستقل بالترغيب في دين الإسلام . أما الوجه الأول فاعلم أن دين الإسلام مبنيّ على أمرين : الاعتقاد والعمل . أما الاعتقاد فإليه الإشارة بقوله أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وذلك لأن الإسلام هو الانقياد والخضوع . والوجه أحسن أعضاء الإنسان . فالإنسان إذا عرف بقلبه ربه ، وأقر بربوبيته وعبودية نفسه ، فقد أسلم وجهه للّه . وأما العمل فإليه الإشارة بقوله وَهُوَ مُحْسِنٌ ويدخل فيه فعل الحسنات وترك السيئات . فتأمل في هذه اللفظة المختصرة واحتوائها على جميع المقاصد والأغراض . وأيضا فقوله أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ يفيد الحصر ، معناه أنه أسلم نفسه للّه وما أسلم لغير اللّه . وهذا تنبيه على أن كمال الإيمان لا يحصل إلا عند تفويض جميع الأمور إلى الخالق ، وإظهار التبرئ من الحول والقوة . وأيضا ففيه تنبيه على فساد طريقة من استعان بغير اللّه . فإن المشركين كانوا يستعينون بالأصنام ويقولون : هؤلاء شفعاؤنا عند اللّه . والدهرية والطبيعيون يستعينون بالأفلاك والكواكب والطبائع وغيرها . واليهود كانوا يقولون في دفع عقاب الآخرة عنهم : إنهم من أولاد الأنبياء . والنصارى كانوا يقولون : ثالث ثلاثة . فجميع الفرق استعانوا بغير اللّه . وأما الوجه الثاني في بيان فضيلة الإسلام فهو أن محمدا صلى اللّه عليه وسلم إنما دعا الخلق إلى دين إبراهيم عليه الصلاة والسلام . وقد اشتهر عند كل الخلق أن إبراهيم ما كان يدعو إلا إلى اللّه تعالى كما قال وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ [ الأنعام : 19 ] ، وما كان يدعو إلى عبادة فلك ولا طاعة كوكب ولا سجدة لصنم ولا استعانة بطبيعة . بل كان ديدنه الدعوة إلى اللّه والإعراض عن كل ما سوى اللّه . وهكذا دعوة محمد صلى اللّه عليه وسلم . ثم إن شرع إبراهيم مقبول عند الكل . وذلك لأن العرب لا يفتخرون بشيء كافتخارهم بالانتساب إلى إبراهيم . وأما اليهود والنصارى فلا شك

--> ( 1 ) أخرجه البخاريّ في : الإيمان ، 37 - باب سؤال جبريل النبيّ صلى اللّه عليه وسلم عن الإيمان والإسلام والإحسان وعلم الساعة ، حديث 46 .