محمد جمال الدين القاسمي
340
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة النساء ( 4 ) : آية 116 ] إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيداً ( 116 ) إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ قد مر الكلام على هذه الآية الكريمة في أوائل هذه السورة مطولا . قالوا : تكريرها إما تأكيدا وتشديدا أو لتكميل قصة طعمة ، وقد مر موته كافرا . أو إن لها سببا آخر في النزول . على ما رواه الثعلبيّ عن ابن عباس قال : جاء شيخ ، إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وقال : إني شيخ منهمك في الذنوب . إلا أني لم أشرك باللّه شيئا منذ عرفته وآمنت به . ولم أتخذ من دونه وليّا . ولم أوقع المعاصي جراءة . وما توهمت طرفة عين أني أعجز اللّه هربا . وإني لنادم تائب . فما ترى حالي عند اللّه سبحانه وتعالى ؟ فنزلت . واستظهر بعضهم الوجه الأخير قال : لأن التأكيد ، مع بعد عهده ، لا يقتضي تخصص هذا الموضع ، فلا بدّ له من مخصص . وأغرب المهايميّ حيث جعلها مشيرة إلى شقي الآية الكريمة ، حيث قال : ثم أشار إلى أن وعيد مشاقة الرسول جازم دون مخالفة الإجماع . لأن مشاقة الرسول دليل تكذيبه . وهو مستلزم للشرك باللّه . إذ خلق المعجزات لا يكون إلا لكامل القدرة . ولا يكون إلا لإله . فإذا نفاها عن اللّه فقد أثبت له شريكا وأن اللّه لا يغفر أن يشرك به . ومخالفة الإجماع يجوز أن تكون مغفورة . لأنه يغفر ما دون ذلك لمن يشاء ، إذ لا تنتهي إلى الشرك . وكل هذه المناسبات دالة دون ذلك قطعا على دلالة هذه الآية ، على أن ما سوى الشرك مغفور قطعا . سواء حصلت التوبة أو لم تحصل . و قد روى الترمذيّ « 1 » عن عليّ رضي اللّه عنه أنه قال : ما في القرآن آية أحب إليّ من هذه الآية : إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ - الآية وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيداً . أي : عن الحق . فإن الشرك أعظم أنواع الضلالة وأبعدها عن الصواب والاستقامة . وإنما ذكر في الآية الأولى فَقَدِ افْتَرى لأنها متصلة بقصة أهل الكتاب . ومنشأ شركهم كان نوع افتراء . وهو دعوى التبني على اللّه تعالى بقولهم نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قاله القاضي . وفي ( السمين ) : ختمت الآية المتقدمة بقوله فَقَدِ افْتَرى وهذه بقوله
--> ( 1 ) أخرجه الترمذيّ في : التفسير ، 4 - سورة النساء ، 23 - حدثنا خلاد بن أسلم .