محمد جمال الدين القاسمي

334

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

فيه . أو إن سبيل المؤمنين هو الاستدلال بالكتاب والسنة . وهذا لا نزاع فيه . فهذا ونحوه قول من يقول : لا تدل على محل النزاع . وآخرون يقولون : بل تدل على وجوب اتباع المؤمنين مطلقا . وتكلفوا لذلك ما تكلفوه . كما قد عرف كلامهم ولم يجيبوا عن أسئلة أولئك بأجوبة شافية . والقول الثالث الوسط : إنها تدل على وجوب اتباع سبيل المؤمنين وتحريم اتباع غير سبيلهم . ولكن مع تحريم مشاقة الرسول من بعد ما تبين له الهدى . وهو يدل على ذم كلّ من هذا وهذا . كما تقدم . لكن لا ينفي تلازمهما . كما ذكر في طاعة اللّه والرسول . وحينئذ يقول : الذم إما أن يكون حقّا لمشاقة الرسول فقط ، أو باتباع غير سبيلهم فقط ، أو أن يكون الذم لا يلحق بواحد منهما . بل بهما إذا اجتمعا . أو لحق الذم بكل منهما وإن انفرد عن الآخر ، أو بكل منهما لكونه مستلزما للآخر . والأوّلان باطلان . لأنه لو كان المؤثر أحدهما فقط ، كان ذكر الآخر ضائعا لا فائدة فيه . وكون الذم لا يلحق بواحد منهما باطل قطعا . فإن مشاقة الرسول موجبة للوعيد مع قطع النظر عمن اتبعه . ولحوق الذم بكل منهما وإن انفرد عن الآخر لا تدل عليه الآية . فإن الوعيد فيها إنما هو على المجموع . بقي القسم الآخر وهو أن كلا من الوصفين يقتضي الوعيد . لأنه مستلزم للآخر . كما يقال مثل ذلك في معصية اللّه والرسول ومخالفة القرآن والإسلام . فيقال : من خالف القرآن والإسلام أو من خرج عن القرآن والإسلام فهو من أهل النار . ومثله قوله : وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيداً . فإن الكفر بكل واحد من هذه الأصول يستلزم الكفر بغيره . فمن كفر باللّه كفر بالجميع . ومن كفر بالملائكة كفر بالكتب والرسل ، فكان كافرا باللّه . إذ كذب رسله وكتبه . وكذلك إذا كفر باليوم الآخر كذب الكتب والرسل . فكان كافرا . وكذلك قوله : يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْباطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [ آل عمران : 71 ] ذمهم على الوصفين . وكل منهما مقتض للذم . وهما متلازمان . ولهذا نهى عنهما جميعا في قوله وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ فإن من لبس الحق بالباطل فغطاه به ، فغلط به ، لزم أن يكتم الحق الذي تبين أن هذا باطل ، إذ لو بينه زال الباطل الذي لبس به الحق . فهكذا مشاقة الرسول واتباع غير سبيل المؤمنين . من شاقّه ، فقد اتبع غير سبيلهم . وهذا ظاهر . ومن اتبع غير سبيلهم فقد شاقه أيضا فإنه قد جعل له مدخلا في الوعيد . فدل على أنه وصف مؤثر في الذم . فمن خرج عن إجماعهم فقد اتبع غير سبيلهم قطعا ، والآية توجب ذم ذلك . وإذا قيل : هي إنما ذمته مع مشاقة الرسول . قلنا : لأنهما متلازمان . وذلك لأن كل ما أجمع عليه المسلمون فإنه يكون منصوصا عن الرسول . فالمخالف لهم مخالف للرسول .