محمد جمال الدين القاسمي
335
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
كما أن المخالف للرسول مخالف للّه . ولكن هذا يقتضي أن كل ما أجمع عليه الرسول قد بيّنه الرسول . وهذا هو الصواب . فلا يوجد مسألة قط مجمع عليها إلا وفيها بيان من الرسول ولكن قد يخفى ذلك على بعض الناس . ويعلم الإجماع فيستدل به . كما أنه يستدل بالنص من لم يعرف دلالة النص . وهو دليل ثان مع النص ، كالأمثال المضروبة في القرآن . وكذلك الإجماع دليل آخر . كما يقال : قد دل على ذلك الكتاب والسنة والإجماع . وكل من هذه الأصول يدل على الحق مع تلازمها . فإن ما دل عليه الإجماع فقد دل عليه الكتاب والسنة . وما دل عليه القرآن فعن الرسول أخذ . فالكتاب والسنة كلاهما مأخوذ عنه . ولا توجد مسألة يتفق الإجماع عليها إلا وفيها نص . وقد كان بعض الناس يذكر فيها الإجماع بلا نص كالمضاربة . وليس كذلك . بل المضاربة كانت مشهورة بينهم في الجاهلية ، لا سيما قريش . فإن الأغلب كان عليهم التجارة . وكان أصحاب الأموال يدفعونها إلى العمال . ورسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قد سافر بمال غيره قبل النبوة كما سافر بمال خديجة . والعير التي كان فيها أبو سفيان كان أكثرها مضاربة مع أبي سفيان وغيره . فلما جاء الإسلام أقرّها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . وكان أصحابه يسافرون بمال غيرهم مضاربة . ولم ينه عن ذلك . والسنة قوله وفعله وإقراره . فلما أقرها كانت ثابتة بالسنة . والأثر المشهور فيها عن عمر الذي رواه مالك في الموطأ « 1 » ، ويعتمد عليه الفقهاء ، لما أرسل أبو موسى بمال أقرضه لا بنيه واتّجرا فيه وربحا . وطلب عمر أن يأخذ الربح كله للمسلمين لكونه خصّهما بذلك دون سائر الجيش . فقال له أحدهما : لو خسر المال لكان علينا . فكيف يكون الربح وعلينا الضمان ؟ فقال له بعض الصحابة : اجعله مضاربة . فجعله مضاربة .
--> ( 1 ) أخرجه في الموطأ في : القراض ، حديث 1 ونصه : عن زيد بن أسلم عن أبيه أنه قال : خرج عبد الله وعبيد الله ، أبناء عمر بن الخطاب ، في جيش إلى العراق . فلما قفلا مرا على أبي موسى الأشعريّ ، وهو أمير البصرة . فرحب بهما وسهّل . ثم قال : لو أقدر لكما على أمر أنفعكما به لفعلت . ثم قال : بلى ، هاهنا مال من مال الله . أريد أن أبعث به إلى أمير المؤمنين . فأسلفكماه . فتبتاعان به متاعا من متاع العراق . ثم تبيعانه بالمدينة . فتؤديان رأس المال إلى أمير المؤمنين . ويكون الربح لكما . فقالا : وددنا ذلك ، ففعل . وكتب إلى عمر بن الخطاب أن يأخذ منهما المال . فلما قدما باعا فأربحا . فلما دفعا ذلك إلى عمر ، قال : أكلّ الجيش أسلفه مثل ما أسلفكما ؟ قالا : لا . فقال عمر بن الخطاب : ابنا أمير المؤمنين . فأسلفكما . أدّيا المال وربحه . فأما عبد الله فسكت . وأما عبيد الله فقال : ما ينبغي ذلك ، يا أمير المؤمنين ! هذا . لو نقص هذا المال أو هلك لضمنّاه . فقال عمر : أدّياه . فسكت عبد الله ، وراجعه عبيد الله . فقال رجل من جلساء عمر : يا أمير المؤمنين ! لو جعلته قراضا ! فقال عمر : قد جعلته قراضا فأخذ عمر رأس المال ونصف ربحه . وأخذ عبد الله وعبيد الله ، ابنا عمر بن الخطاب ، نصف ربح المال .