محمد جمال الدين القاسمي
333
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
فإذا كان الرب قد جعلهم شهداء لم يشهدوا بباطل . فإذا شهدوا أن اللّه أمر بشيء فقد أمر به . وإذا شهدوا أن اللّه نهى عن شيء فقد نهى عنه . ولو كان يشهدون بباطل أو خطأ لم يكونوا شهداء اللّه في الأرض . وقال تعالى : وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنابَ إِلَيَّ [ لقمان : 15 ] . والأمة منيبة إلى ربها فيجب اتباع سبيلها وقال تعالى : وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ [ التوبة : 100 ] . فرضي عمن اتبع السابقين إلى يوم القيامة . فدلّ على أن متابعهم عامل بما يرضي اللّه . واللّه لا يرضى إلا بالحق لا بالباطل . وقال تعالى : وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيراً ، والشافعيّ ، رضي اللّه عنه ، لما جرد الكلام في أصول الفقه احتج بهذه الآية على الإجماع . كما كان يسمع هو وغيره من مالك . ذكر ذلك عن عمر بن عبد العزيز . والآية دلت على أن متبع غير سبيل المؤمنين ، مستحق للوعيد كما أن مشاقّ الرسول من بعد ما تبين له الهدى ، مستحق للوعيد . ومعلوم أن هذا الوصف يوجب الوعيد بمجرده . فلو لم يكن الوصف الآخر يدخل في ذلك لكان لا فائدة في ذكره . وهنا للناس ثلاثة أقوال : قيل : اتباع غير سبيل المؤمنين هو بمجرده مخالفة الرسول المذكورة في الآية . وقيل بل مخالفة الرسول مستقلة بالذم . فكذلك اتباع غير سبيلهم مستقل بالذم . وقيل : بل اتباع غير سبيل المؤمنين يوجب الذم كما دلت عليه الآية . لكن هذا لا يقتضي مفارقته للأول بل قد يكون مستلزما له . فكل متابع غير سبيل المؤمنين هو في نفس الأمر مشاقّ للرسول . وكذلك مشاق الرسول متبع غير سبيل المؤمنين . وهذا كما في طاعة اللّه والرسول . فإن طاعة اللّه واجبة وطاعة الرسول واجبة . وكل واحد من معصية اللّه ومعصية الرسول موجب للذم . وهما متلازمان . فإنه من يطع الرسول فقد أطاع اللّه . وفي الحديث الصحيح « 1 » عن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم قال : من أطاعني فقد أطاع اللّه ، ومن أطاع أميري فقد أطاعني . ومن عصاني فقد عصى اللّه ومن عصى أميري فقد عصاني . ثم قال تقيّ الدين رحمه اللّه ( بعد ثلاثة أوراق ) : ومن الناس من يقول : إنها لا تدل على مورد النزاع . فإن الذم فيها لمن جمع الأمرين . وهذا لا نزاع فيه . أو لمن اتبع غير سبيل المؤمنين التي بها كانوا مؤمنين . وهي متابعة الرسول . وهذا لا نزاع
--> ( 1 ) أخرجه البخاريّ في : الجهاد ، 109 - باب يقاتل من وراء الإمام ويتقى به ، حديث 1409 . ومسلم في : الإمارة ، حديث 32 .