محمد جمال الدين القاسمي
30
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
صلى اللّه عليه وسلم يوم قريظة فكان من أنبت قتل . ومن لم ينبت خلّى سبيله . فكنت فيمن لم ينبت . فخلّى سبيلي . قال الترمذي : حسن صحيح . فَإِنْ آنَسْتُمْ أي شاهدتم وتبينتم مِنْهُمْ رُشْداً أي صلاحا في دينهم وحفظا لأموالهم . قاله سعيد بن جبير ، وروي عن ابن عباس والحسن وغير واحد من الأئمة فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ أي من غير تأخير . وظاهر الآية الكريمة أن من بلغ غير رشيد إما بالتبذير أو بالعجز أو بالفسق ، لا يسلم إليه ماله لأنها مفسدة للمال وَلا تَأْكُلُوها أيها الأولياء إِسْرافاً وَبِداراً أَنْ يَكْبَرُوا أي مسرفين ومبادرين كبرهم . أو لإسرافكم ومبادرتكم كبرهم . تفرّطون في إنفاقها وتقولون : ننفق كما نشتهي قبل أن يكبر اليتامى فينتزعوها من أيدينا وَمَنْ كانَ من الأولياء غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ أي يتنزه عن أكل مال اليتيم . فإنه عليه كالميتة والدم . وليقنع بما آتاه اللّه تعالى من الرزق وَمَنْ كانَ فَقِيراً يمنعه اشتغاله بمال اليتيم عن الكسب . وإهماله يفضي إلى تلفه عليه فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ بقدر حاجته الضرورية وأجرة سعيه وخدمته . كما رواه ابن أبي حاتم عن عائشة حيث قالت : فليأكل بالمعروف بقدر قيامه عليه . ورواه البخاري « 1 » أيضا . قال ابن كثير : قال الفقهاء : له أن يأكل أقل الأمرين أجرة مثله . وقد حاجته . وهل يردّ إذا أيسر ؟ وجهان : أحدهما لا يرد لأنه أكل بأجرة عمله وكان فقيرا . وهذا هو الصحيح عند أصحاب الشافعيّ . لأن الآية أباحت الأكل من غير بدل . وروى الإمام أحمد « 2 » عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رجلا سأل النبيّ صلى اللّه عليه وسلم فقال : ليس لي مال ولي يتيم . فقال : كل من مال يتيمك غير مسرف ولا مبذر ولا متأثل مالا . ومن غير أن تقي مالك ، ( أو قال تفدي مالك بماله ) ورواه ابن أبي حاتم ولفظه : كل بالمعروف غير مسرف . ورواه أبو داود والنسائيّ وابن ماجة . و روى ابن حبان في ( صحيحه ) وابن مردويه في ( تفسيره ) عن جابر : أن رجلا قال : يا رسول اللّه ! مما أضرب يتيمي ؟ قال : مما كنت ضاربا منه ولدك . غير واق مالك بماله . ولا متأثل منه مالا . وروى عبد الرزاق عن الثوريّ عن يحيى بن سعيد عن القاسم بن محمد قال : جاء أعرابيّ إلى ابن عباس فقال : إن في حجري أيتاما . وإن لهم إبلا . ولي إبل وأنا أمنح من إبلي فقراء .
--> ( 1 ) أخرجه البخاري في : التفسير ، 4 - سورة النساء ، 2 - باب : وَمَنْ كانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ ، حديث 1109 . ونصه : عن عائشة رضي اللّه عنها ، في قوله تعالى : وَمَنْ كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ ، إنها نزلت في والي مال اليتيم إذا كان فقيرا أنه يأكل منه ، مكان قيامه عليه ، بمعروف . ( 2 ) أخرجه الإمام أحمد في مسنده 2 / 216 .