محمد جمال الدين القاسمي

31

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

فماذا يحل لي من ألبانها ؟ فقال : إن كنت تبغي ضالتها ، وتهنأ جرباها ، وتلوط حوضها ، وتسعى عليها ، فاشرب غير مضرّ بنسل ، ولا ناهك في الحلب . ورواه مالك في موطئه « 1 » . وبهذا القول ، وهو عدم أداء البدل ، بقول عطاء بن أبي رباح وعكرمة وإبراهيم النخعيّ وعطية العوفيّ والحسن البصريّ . والوجه الثاني - يردّ . لأن مال اليتيم على الحظر . وإنما أبيح للحاجة . فيردّ بدله . كأكل مال الغير للمضطر عند الحاجة . وقد روى ابن أبي الدنيا عن حارثة بن مضرب قال : قال عمر رضي اللّه عنه : إني أنزلت نفسي من هذا المال منزلة وإلى اليتيم . إن استغنيت استعففت . وإن احتجت استقرضت . فإذا أيسرت قضيت . وروى سعيد بن منصور في ( سننه ) : حدثنا أبو الأحوص عن أبي إسحاق عن البراء قال قال لي عمر رضي اللّه عنه : إنما أنزلت نفسي من مال اللّه بمنزلة والي اليتيم إن احتجت أخذت منه . فإذا أيسرت رددته . وإن استغنيت استعففت . قال ابن كثير : إسناد صحيح . وروى البيهقيّ عن ابن عباس نحو ذلك . وهكذا رواه ابن أبي حاتم من طريق عليّ بن أبي طلحة عن ابن عباس ، في قوله : فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ يعني القرض . قال وروي عن عبيدة وأبي العالية وأبي وائل ، وسعيد بن جبير ( في إحدى الروايات ) ومجاهد والضحاك والشعبيّ والسدّيّ نحو ذلك . قال الفخر الرازيّ : وبعض أهل العلم خص هذا الإقراض بأصول الأموال من الذهب والفضة وغيرها . وأما التناول من ألبان المواشي واستخدام العبيد وركوب الدواب فمباح له إذا كان غير مضر بالمال . وهذا قول أبي العالية وغيره . واحتجوا بأن اللّه تعالى قال : فَإِذا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ ، فحكم في الأموال بدفعها إليهم . انتهى . أقول : الكل محتمل . إذ لا نص من الأصلين على واحد منها . ولا يخفى الورع . فَإِذا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ أي بعد البلوغ والرشد فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ أي عند الدفع بأنهم قبضوها . فإنه أنفى للتهمة وأبعد من الخصومة . قال السيوطيّ : فيه الأمر بالإشهاد ندبا . وقيل : وجوبا . ويستفاد منه أن القول في الدفع قول الصبيّ ، لا الوليّ .

--> ( 1 ) أخرجه الإمام مالك في الموطأ في : صفة النبيّ صلى اللّه عليه وسلم ، حديث 33 ونصه : عن القاسم بن محمد قال : جاء رجل إلى عبد الله بن عباس فقال له : إن لي يتيما وله إبل ، أفأشرب من لبن إبله ؟ فقال ابن عباس : إن كنت تبغي ضالة إبله ، وتهنأ جرباها ، وتلطّ حوضها ، وتسقيها يوم وردها ، فاشرب غير مضرّ بنسل ، ولا ناهك في الحلب .