محمد جمال الدين القاسمي

299

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

رجعنا إلى المدينة . قلت : أقمتم بمكة شيئا ؟ قال : أقمنا بها عشرا . وحينئذ فقوله تعالى : إِنْ خِفْتُمْ خرج مخرج الغالب ، حال نزول الآية . إذ كانت أسفارهم بعد الهجرة في مبدئها مخوفة . بل ما كانوا ينهضون إلا إلى غزو عامّ ، أو سرية خاصة ، وسائر الأحياء حرب للإسلام وأهله . والمنطوق ، إذا خرج مخرج الغالب فلا مفهوم له . كقوله : وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً [ النور : 33 ] . وكقوله تعالى : وَرَبائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسائِكُمُ . . . [ النساء : 23 ] الآية . قالوا : ويدل على أن المراد بالآية صلاة السفر ما رواه الإمام أحمد « 1 » ومسلم وأهل السنن عن يعلى بن أمية قال : سألت عمر بن الخطاب . قلت له : قوله تعالى : فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا . . . وقد أمن الناس ؟ فقال لي عمر رضي اللّه عنه : عجبت مما عجبت منه . فسألت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عن ذلك ؟ فقال : صدقة تصدق اللّه بها عليكم . فاقبلوا صدقته . وروى أبو بكر بن أبي شيبة عن أبي حنظلة الحذاء قال : سألت ابن عمر عن صلاة السفر ؟ فقال : ركعتان . فقلت : أين قوله : إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا - ونحن آمنون ؟ فقال : سنة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . وروى ابن مردويه عن أبي الوداك قال : سألت ابن عمر عن ركعتين في السفر ؟ فقال : هي رخصة نزلت من السماء . فإن شئتم فردوها . قالوا : فهذا يدل على أن القصر المذكور في الآية هو القصر في عدد الركعات . وإن ذلك كان مفهوما عندهم من معنى الآية . قالوا : ومما يدل على أن لفظ ( القصر ) كان مخصوصا في عرفهم بنقص عدد الركعات . ولهذا المعنى ، لما صلّى النبيّ صلى اللّه عليه وسلم الظهر ركعتين ، قال له ذو اليدين : أقصرت الصلاة أم نسيت ؟ « 2 » . هذا ، وذهب كثير من السلف ، منهم مجاهد والضحاك والسدّيّ ، إلى أن هذه

--> ( 1 ) أخرجه في المسند ص 25 ج 1 حديث 174 . وأخرجه مسلم في : صلاة المسافرين وقصرها ، حديث 4 . ( 2 ) أخرجه البخاريّ في : السهو ، 4 - باب من لم يتشهد في سجدتي السهو ، حديث 320 ونصه : عن أبي هريرة رضي اللّه عنه أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم انصرف من اثنتين . فقال له ذو اليدين : أقصرت الصلاة أم نسيت ؟ يا رسول الله ! فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : أصدق ذو اليدين ؟ فقال الناس : نعم . فقام رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فصلى اثنتين أخريين ثم سلم . ثم كبر فسجد مثل سجوده أو أطول . ثم رفع .