محمد جمال الدين القاسمي
300
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
الآية نزلت في صلاة الخوف . وأن المعنيّ بالقصر هو قصر الكيفية لا الكمية . لأن عندهم كمية صلاة المسافر ركعتان . فهي تمام غير قصر . كما قاله عمر وابن عباس وعائشة رضي اللّه عنهم . قالوا : ولهذا قال تعالى : إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وقال تعالى بعدها وَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ . . . الآية . فبين المقصود من القصر هاهنا . وذكر صفته وكيفيته . ولهذا لما عقد البخاريّ ( كتاب صلاة الخوف ) صدّره بقوله تعالى : وَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ . . . إلى قوله : إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً . وهكذا قال جويبر عن الضحاك في قوله : فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ ، قال : ذاك عند القتال . يصلي الرجل الراكب تكبيرتين حيث كان وجهه . وقال أسباط عن السديّ ، في هذه الآية : إن الصلاة إذا صليت ركعتين في السفر فهي تمام التقصير . لا يحل إلا أن يخاف من الذين كفروا أن يفتنوه عن الصلاة ، فالتقصير ركعة . وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد : فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ ، يوم كان النبيّ صلى اللّه عليه وسلم وأصحابه بعسفان . والمشركون بضجنان فتوافقوا . فصلى النبيّ صلى اللّه عليه وسلم بأصحابه صلاة الظهر أربع ركعات . بركوعهم وسجودهم وقيامهم معا جميعا . فهمّ بهم المشركون أن يغيروا على أمتعتهم وأثقالهم . روى ذلك ابن أبي حاتم . ورواه بن جرير « 1 » عن مجاهد والسدّيّ ، وعن جابر وابن عمر . واختار ذلك أيضا . فإنه قال ، بعد ما حكاه من الأقوال في ذلك : وهو الصواب . ثم روي عن أمية أنه قال لعبد اللّه بن عمر : إنا نجد في كتاب اللّه قصر صلاة الخوف ولا نجد قصر صلاة المسافر . فقال عبد اللّه : إنا وجدنا نبينا صلى اللّه عليه وسلم يعمل عملا عملنا به . فقد سمى صلاة الخوف مقصورة . وحمل الآية عليها ، لا على قصر صلاة المسافر . وأقره ابن عمر على ذلك . واحتج على قصر الصلاة في السفر بفعل الشارع . لا بنص القرآن . وأصرح من هذا ما رواه أيضا عن سماك الحنفيّ قال : سألت ابن عمر عن صلاة السفر ؟ فقال : ركعتان تمام غير قصر . إنما القصر في صلاة المخافة . فقلت : وما صلاة المخافة ؟ فقال . يصلي الإمام بطائفة ركعة . ثم يجيء هؤلاء إلى مكان هؤلاء . ويجيء هؤلاء إلى مكان هؤلاء . فيصلي بهم ركعة . فيكون للإمام ركعتان ، ولكل طائفة ركعة ركعة .
--> ( 1 ) عن مجاهد الأثر رقم 10321 و 10322 و 10323 . وعن السدّيّ ، الأثر رقم 10326 . وعن جابر ، الأثر رقم 10325 . وعن ابن عمر ، الأثر رقم 10327 .