محمد جمال الدين القاسمي

291

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

مطلقا مما يدل على أنه تعالى قد يعفو عن الذنب قبل التوبة . تنبيه : قال السيوطيّ في ( الإكليل ) : استدل بالآية على وجوب الهجرة من دار الكفر ، إلّا على من لم يطقها . وعن مالك : الآية تقتضي أن كل من كان في بلد تغيّر فيه السنن ، فينبغي أن يخرج منه . انتهى . وقال بعض مفسري الزيدية : ثمرة الآية وجوب الهجرة من دار الكفر . ولا خلاف أنها كانت واجبة قبل الفتح . ولذلك قال اللّه تعالى في سورة الأنفال : وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهاجِرُوا ما لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ [ الأنفال : 72 ] . قيل : ونسخت بعد الفتح . والصحيح عدم النسخ . وقوله صلى اللّه عليه وسلم « 1 » : لا هجرة بعد الفتح ، معناه من مكة . قال جار اللّه : وهذا يدل على أن الرجل إذا كان في بلد لا يتمكن فيه من إقامة أمر دينه كما يجب ، لبعض الأسباب ، وعلم أنه في غير بلده أقوم بحق اللّه ، حقت عليه الهجرة . ثم قال رحمه اللّه : قال في التهذيب : وعن القاسم بن إبراهيم : إذا ظهر الفسق في دار ، ولا يمكنه الأمر بالمعروف ، فالهجرة واجبة . وهذا بناء على أن الدور ثلاث : دار إسلام ، ودار فسق ، ودار حرب . وهذا التقسيم هو مذهب الهادي والقاسم ، وابن أبي النجم في كتاب ( الهجرة والدور ) عن الراضي باللّه وجعفر بن مبشر وأبي عليّ . وذهب الإخوان وعامة الفقهاء وأكثر المعتزلة إلى النفي لدار الفسق . واعلم أن من حمل على معصية أو ترك واجب أو طالبه الإمام بذلك ، فالمذهب وجوب الهجرة مع حصول الشروط المعتبرة . وقد قال الراضي باللّه : إن من سكن دار الحرب مستحلّا ، كفر . لأن ذلك رد لصريح القرآن . واحتج بهذه . وقد حكى الفقيه حسام الدين حميد بن أحمد عن القاسم والهادي والراضي باللّه : التكفير لمن ساكن الكفار في ديارهم . وفي ( مذهب الراضي باللّه ) : يكفر إذا جاورهم سنة . قال الفقيه شرف الدين محمد بن يحيى ، حاكيا عن الراضي باللّه : إنه يكفر بسكنى دار الحرب وإن لم يستحل ؛ لأن ذلك منه إظهار الكفر على نفسه . والحكم بالتكفير محتمل هنا . ثم قال : وإنما استثنى تعالى الولدان ، وإن كانوا غير داخلين في التكليف ، بيانا لعدم

--> ( 1 ) أخرجه البخاريّ في : الجهاد ، 1 - باب فضل الجهاد والسير حديث 710 ونصه : عن ابن عباس رضي اللّه عنهما قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « لا هجرة بعد الفتح . ولكن جهاد ونية . وإذا استنفرتم فانفروا » .