محمد جمال الدين القاسمي

292

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

حيلتهم . والهجرة إنما تجب على من له حيلة . انتهى . وقال الحافظ ابن حجر في ( الفتح ) : الهجرة الترك . والهجرة إلى الشيء الانتقال إليه عن غيره . وفي الشرع : ترك ما نهى اللّه عنه . وقد وقعت في الإسلام على وجهين : الأول - الانتقال من دار الخوف إلى دار الأمن . كما في هجرتي الحبشة وابتداء الهجرة من مكة إلى المدينة . الثاني - الهجرة من دار الكفر إلى دار الإيمان . وذلك بعد أن استقرّ النبيّ صلى اللّه عليه وسلم بالمدينة . وهاجر إليه من أمكنه ذلك من المسلمين . وكانت الهجرة ، إذ ذاك ، تختص بالانتقال إلى المدينة . إلى أن فتحت مكة فانقطع الاختصاص . وبقي عموم الانتقال من دار الكفر ، لمن قدر عليه ، باقيا . انتهى . وقد أفصح ابن عمر بالمراد . فيما أخرجه الإسماعيليّ بلفظ : انقطعت الهجرة بعد الفتح إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . ولا تنقطع الهجرة ما قوتل الكفار . أي : ما دام في الدنيا دار كفر ، فالهجرة واجبة منها على من أسلم وخشي أن يفتن على دينه . وقد روي في معنى الآية أحاديث كثيرة . أخرجها مجد الدين بن تيمية في ( منتقى الأخبار ) في ترجمة ( باب بقاء الهجرة من دار الحرب إلى دار الإسلام ، وأن لا هجرة من دار أسلم أهلها ) ثم قال : عن سمرة بن جندب قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « 1 » : من جامع المشرك وسكن معه فهو مثله . رواه أبو داود . وعن جرير بن عبد اللّه أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « 2 » بعث سرية إلى خثعم فاعتصم ناس منهم بالسجود . فأسرع فيهم القتل . فبلغ النبيّ صلى اللّه عليه وسلم . فأمر لهم بنصف العقل ، وقال : أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين . قالوا : يا رسول اللّه ! لم ؟ قال : لا تراءى ناراهما . رواه أبو داود والترمذيّ . و عن معاوية قال : سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول : لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة . ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها . رواه أحمد « 3 » وأبو داود « 4 » . وعن عبد اللّه بن السعديّ أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال « 5 » : لا تنقطع الهجرة ما قوتل العدوّ . رواه

--> ( 1 ) أخرجه أبو داود في : الجهاد ، 170 - باب في الإقامة بأرض الشرك حديث 2787 . ( 2 ) أخرجه أبو داود في : الجهاد ، 95 - باب النهي عن قتل من اعتصم بالسجود ، حديث 2645 . ( 3 ) أخرجه في المسند ص 99 ج 4 ونصه : عن أبي هند البجليّ قال : كنا عند معاوية ، هو على سريره وقد اغمض عينيه . فتذاكرنا الهجرة . والقائل منا يقول : قد انقطعت . والقائل منا يقول : لم تنقطع . فاستنبه معاوية . فقال : ما كنتم فيه ؟ فأخبرناه . وكان قليل السرد عن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم . فقال : تذاكرنا عند رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال « لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة . ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها » . ( 4 ) وأخرجه أبو داود في : الجهاد ، 2 - باب في الهجرة هل انقطعت ؟ ، حديث 2479 . ( 5 ) أخرجه في المسند 5 / 270 .