محمد جمال الدين القاسمي

290

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ أي : الصبيان فإنهم معذورون في ترك الهجرة لأنهم لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً في الخروج ، إذ لا قوة لهم على الخروج ولا نفقة وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا أي : لا يعرفون طريقا إلى دار الهجرة . القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة النساء ( 4 ) : آية 99 ] فَأُولئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُوراً ( 99 ) فَأُولئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ أي يتجاوز عنهم بترك الهجرة . قال الرازيّ : هاهنا سؤال . وهو أن القوم لما كانوا عاجزين عن الهجرة ، والعاجز عن الشيء غير مكلف به ، وإذا لم يكن مكلفا به لم يكن عليه في تركه عقوبة - فلم قال : عسى اللّه أن يعفو عنهم ؟ والعفو لا يتصور إلا مع الذنب . وأيضا ( عسى ) كلمة الإطماع . وهذا يقتضي عدم القطع بحصول العفو في حقهم . والجواب عن الأول : أن المستضعف قد يكون قادرا على ذلك الشيء مع ضرب من المشقة . وتمييز الضعف الذي يحصل عنده الرخصة ، عن الحد الذي لا يحصل عنده الرخصة ، شاق ومشتبه . فربما ظن الإنسان بنفسه أنه عاجز عن المهاجرة ، ولا يكون كذلك ، ولا سيما في الهجرة عن الوطن . فإنها شاقة في النفس . وبسبب شدة النفرة قد يظن الإنسان كونه عاجزا . مع أنه لا يكون كذلك . فلهذا المعنى كانت الحاجة إلى العفو شديدة في هذا المقام . والجواب عن الثاني - بأن الفائدة في ( عسى ) الدلالة على أن ترك الهجرة أمر مضيق لا توسعة فيه . حتى إن المضطر البيّن الاضطرار من حقه أن يقول : عسى اللّه أن يعفو عني . فكيف الحال في غيره ؟ هذا ما ذكره صاحب ( الكشاف ) . والأولى في الجواب ما قدمناه . وهو أن الإنسان لشدة نفرته عن مفارقة الوطن ، ربما ظن نفسه عاجزا عنها . مع أنه لا يكون كذلك في الحقيقة . فلهذا المعنى ذكر العفو بكلمة ( عسى ) لا بالكلمة الدالة على القطع . انتهى . وقال أبو السعود : جيء بكلمة ( الإطماع ) ولفظ ( العفو ) إيذانا بأن الهجرة من تأكيد الوجوب بحيث ينبغي أن يعد تركها ، ممن تحقق عدم وجوبها عليه ، ذنبا يجب طلب العفو عنه ، رجاء وطمعا . لا جزما وقطعا . وقال المهايميّ : فيه إشعار بأن ترك الهجرة أمر خطير . حتى إن المضطر حقه أن يترصد الفرصة ويعلّق قلبه بها . وإن الصبيّ إذا قدر فلا محيص له عنه . وإن قوّامهم يجب عليهم أن يهاجروا بهم . ثم أكد الإطماع لئلا ييأسوا فقال وَكانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُوراً وفي إقحام ( كان ) إشارة إلى اتصافه تعالى بهذه الصفة قبل خلق الخلق . أو أن هذه عادته تعالى ، أجراها في حق خلقه . ووعده بالعفو والمغفرة