محمد جمال الدين القاسمي

284

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

مر من الأمر به وتحريض المؤمنين عليه ، ليأنف القاعد عنه ويترفع بنفسه عن انحطاط رتبته ، فيهتزّ له رغبة في ارتفاع طبقته . قاله أبو السعود . وأصله للزمخشريّ حيث قال : فإن قلت : معلوم أن القاعد بغير عذر والمجاهد لا يستويان . فما فائدة نفي الاستواء ؟ قلت : معناه الإذكار بما بينهما من التفاوت العظيم والبون البعيد . ليأنف القاعد ويترفع بنفسه عن انحطاط منزلته ، فيهتز للجهاد ويرغب فيه ، وفي ارتفاع طبقته . ونحوه : هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ [ الزمر : 9 ] . أريد به التحريك من حمية الجاهل وأنفته ليهاب به إلى التعلّم ولينهض بنفسه عن صفة الجهل إلى شرف العلم . انتهى . والمراد بهم ، وقت النزول ، القاعدون عن غزوة بدر والخارجون إليها . كما رواه البخاريّ « 1 » والترمذيّ عن ابن عباس . وقوله : غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ ، مخرج لذوي الأعذار المبيحة لترك الجهاد : من العمى والعرج والمرض ، عن مساواتهم للقاعدين . فإنهم مساوون المجاهدين بالنية . ولا يعتد بزيادة أجر العمل لهم لعظم أمر النية . كما روى الإمام أحمد والبخاريّ « 2 » وأبو داود عن أنس ؛ أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : إن بالمدينة أقواما ما سرتم من مسير ولا قطعتم من واد إلا وهم معكم فيه . قالوا : وهم بالمدينة ؟ يا رسول اللّه ! قال : نعم . حبسهم العذر . وفي هذا المعنى قال الشاعر : يا راحلين إلى البيت العتيق لقد * سرتم جسوما ، وسرنا نحن أرواحا إنا أقمنا على عذر وعن قدر * ومن أقام على عذر كمن راحا و روى البخاريّ « 3 » عن البراء قال : لما نزلت : لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ، دعا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم زيدا فكتبها . فجاء ابن أم مكتوم فشكا ضرارته . فأنزل اللّه : غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وفي رواية للبخاريّ « 4 » عن زيد : فجاءه ابن أم مكتوم وهو يمليها عليّ . قال : يا رسول اللّه ! واللّه ! لو أستطيع الجهاد لجاهدت . وكان

--> ( 1 ) أخرجه البخاريّ في : التفسير ، 4 - سورة النساء ، 18 - باب لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، حديث 1841 . ( 2 ) أخرجه البخاريّ في : الجهاد ، 35 - باب من حبسه العذر عن العدوّ ، حديث 1360 . ( 3 ) أخرجه البخاريّ في : التفسير ، 4 - سورة النساء ، 18 - باب لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، حديث 1356 . ( 4 ) أخرجه البخاريّ في : التفسير ، 4 - سورة النساء ، 18 - باب لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، حديث 1357 .