محمد جمال الدين القاسمي
239
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
أحاديث كثيرة في الترغيب في ذلك . منها : ما رواه البخاريّ « 1 » عن أبي هريرة قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « إن في الجنة مائة درجة أعدها اللّه للمجاهدين في سبيل اللّه . بين كل درجتين كما بين السماء والأرض » عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ أي : يمنع بَأْسَ أي : قتال الَّذِينَ كَفَرُوا وهم كفار مكة . أي : بتحريضك إياهم على القتال ، تبعث هممهم على مناجزة الأعداء ومدافعتهم عن حوزة الإسلام وأهله ، ومقاومتهم ومصابرتهم . قال أبو السعود : وقوله تعالى : عَسَى . . . إلخ عدة منه سبحانه وتعالى محققة الإنجاز بكف شدة الكفرة ومكروههم . فإن ما صدر ب ( لعل وعسى ) مقرر الوقوع من جهته عز وجل . وقد كان كذلك . حيث روي في السيرة أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم واعد أبا سفيان ، بعد حرب أحد ، موسم بدر الصغرى في ذي القعدة . فلما بلغ الميعاد دعا الناس إلى الخروج . وخرج في شعبان سنة أربع في سبعين راكبا . ووافوا الموعد وألقى اللّه تعالى في قلوب الذين كفروا الرعب . فرجعوا من مرّ الظهران . انتهى ، بزيادة . وقال في ذلك عبد اللّه بن رواحة ( وقيل كعب بن مالك ) :
--> فانطلق رسول الله صلى اللّه عليه وسلم وأصحابه ، حتى سبقوا المشركين إلى بدر . وجاء المشركون . فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « لا يقدّمنّ أحد منكم إلى شيء حتى أكون أنا دونه » فدنا المشركون . فقال رسول الله صلى اللّه عليه وسلم « قوموا إلى جنة عرضها السماوات والأرض » قال يقول عمير بن الحمام الأنصاريّ : يا رسول الله ! جنة عرضها السماوات والأرض ؟ قال « نعم » قال : بخ بخ . فقال رسول الله صلى اللّه عليه وسلم « ما يحملك على قولك بخ بخ » ؟ قال : لا . والله ! يا رسول الله ! إلا رجاءة أن أكون من أهلها . قال « فإنك من أهلها » . فأخرج تمرات من قرنه ( جعبة النشاب ) فجعل يأكل منهن . ثم قال : لئن أنا حييت حتى آكل تمراتي هذه ، إنها لحياة طويلة . قال فرمى بما كان معه من التمر . ثم قاتلهم حتى قتل . ( 1 ) أخرجه البخاريّ في : الجهاد ، 4 - باب درجات المجاهدين في سبيل الله حديث 1335 ونصه : عن أبي هريرة رضي اللّه عنه ، قال : قال رسول الله صلى اللّه عليه وسلم « من آمن بالله وبرسوله ، وأقام الصلاة وصام رمضان ، كان حقّا على الله أن يدخله الجنة ، جاهد في سبيل الله أو جلس في أرضه التي ولد فيها » . فقالوا : يا رسول الله ! أفلا نبشر الناس ؟ قال : إن في الجنة مائة درجة أعدّها الله للمجاهدين في سبيل الله . ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض . فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس ، فإنه أوسط الجنة وأعلى الجنة . أراه فوقه عرش الرحمن . ومنه تفجّر أنهار الجنة » .