محمد جمال الدين القاسمي

238

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

الالتفات . وهو جواب شرط محذوف ينساق إليه النظم الكريم . أي : إذا كان الأمر ، كما حكى من عدم طاعة المنافقين وكيدهم ، فقاتل أنت وحدك غير مكترث بما فعلوا . قاله أبو السعود . لا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ أي : إلا فعل نفسك . بالتقدم إلى الجهاد . فإن اللّه هو ناصرك ، لا الجنود . فإن شاء نصرك وحدك ، كما ينصرك وحولك الألوف . أي : ومن نكل ، فلا عليك منه ولا تؤاخذ به . قال الرازيّ : دلت الآية على أنه صلى اللّه عليه وسلم كان أشجع الخلق وأعرفهم بكيفية القتال . لأنه تعالى ما كان يأمره بذلك إلا وهو صلى اللّه عليه وسلم موصوف بهذه الصفات . ولقد اقتدى به أبو بكر « 1 » رضي اللّه عنه حيث حاول الخروج وحده إلى قتال مانعي الزكاة . ومن علم أن الأمر كله بيد اللّه ، وأنه لا يحصل أمر من الأمور إلّا بقضاء اللّه ، سهل ذلك عليه . وروى ابن أبي حاتم عن أبي إسحاق قال : سألت البراء بن عازب عن الرجل يلقى المائة من العدوّ فيقاتل ، فيكون ممن قال اللّه فيه : وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ؟ قال : قد قال اللّه تعالى لنبيه : فَقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ . ورواه الإمام أحمد « 2 » أيضا عنه قال : قلت للبراء : الرجل يحمل على المشركين ، أهو ممن ألقى بيده إلى التهلكة ؟ قال : لا . إن اللّه بعث رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال : فَقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ . إنما ذلك في النفقة . وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ أي على الخروج معك وعلى القتال . ورغبهم فيه وشجعهم عليه . كما قال لهم « 3 » صلى اللّه عليه وسلم ، يوم بدر ، وهو يسوي الصفوف : قوموا إلى جنة عرضها السماوات والأرض . وقد وردت

--> ( 1 ) جاء في صحيح البخاريّ في : الزكاة ، 1 - باب وجوب الزكاة ، حديث 743 و 744 ما نصه : عن أبي هريرة قال : لما توفي رسول الله صلى اللّه عليه وسلم ، وكان أبو بكر رضي اللّه عنه . وكفر من كفر من العرب ، فقال عمر رضي اللّه عنه : كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله صلى اللّه عليه وسلم « أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا : لا إله إلا الله . فمن قالها ، فقد عصم ماله ونفسه ، إلا بحقه . وحسابه على الله » ؟ فقال : والله ! لأقاتلن من فرّق بين الصلاة والزكاة . فإن الزكاة حق المال : والله ! لو منعوني عناقا كانوا يؤدونها إلى رسول الله صلى اللّه عليه وسلم ، لقاتلتهم على منعها . قال عمر رضي اللّه عنه : فوالله ! ما هو إلا أن قد شرح الله صدر أبي بكر رضي الله عنه ، فعرفت أنه الحق . ( 2 ) أخرجه في المسند 4 / 281 . ( 3 ) أخرج مسلم في : الإمارة ، حديث 145 ما نصه : عن أنس بن مالك قال : بعث رسول الله صلى اللّه عليه وسلم بسيسة عينا ينظر ما صنعت عير أبي سفيان . فجاء وما في البيت أحد غيري وغير رسول الله صلى اللّه عليه وسلم قال فحدثه الحديث . قال فخرج رسول الله صلى اللّه عليه وسلم فتكلم فقال : إن لنا طلبة . فمن كان ظهره حاضرا فليركب معنا : فجعل رجال يستأذنونه في ظهرانهم في علو المدينة . فقال « لا . إلا من كان ظهره حاضرا » .