محمد جمال الدين القاسمي
237
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
وَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ بإرسال الرسول وإنزال الكتاب لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ بالكفر والضلال إِلَّا قَلِيلًا أي : إلا قليلا منكم ممن تفضل اللّه عليه بعقل صائب فاهتدى به إلى الحق والصواب ، وعصمه عن متابعة الشيطان . كمن اهتدى إلى الحق في زمن الفترة . كقس بن ساعدة وأضرابه . وهم عشرة . وقد أوضحت شأنهم في كتابي ( إيضاح الفطرة في أهل الفترة ) في ( الفصل الرابع عشر ) فانظره . ونقل الرازيّ عن أبي مسلم الأصفهانيّ ، أن المراد بفضل اللّه ورحمته ، هنا ، هو نصرته تعالى ومعونته اللذان عناهما المنافقون بقولهم : فأفوز فوزا عظيما . أي : لولا تتابع النصرة والظفر لاتبعتم الشيطان وتوليتم إلا القليل منكم من المؤمنين من أهل البصيرة الذين يعلمون أنه ليس مدار الحقية على النصر في كل حين . واستحسن هذا الوجه الرازيّ وقال : هو الأقرب إلى التحقيق . قال الخفاجيّ : لارتباطه بما بعده . هذا ، وزعم بعضهم أن قوله تعالى : إِلَّا قَلِيلًا مستثنى من قوله ( أذاعوه ) أو ( لعلمه ) واستدل به على أن الاستثناء لا يتعين صرفه لما قبله . قال : لأنه لو كان مستثنى من جملة ( اتبعتم ) فسد المعنى لأنه يصير عدم اتباع القليل للشيطان ليس بفضل اللّه . وهو لا يستقيم . وبيان لزومه أن ( لولا ) حرف امتناع لوجود . وقد أبانت امتناع اتباع المؤمنين للشيطان . فإذا جعلت الاستثناء من الجملة الأخيرة فقد سلبت تأثير فضل اللّه في امتناع الاتباع عن البعض المستثنى ، ضرورة . وجعلت هؤلاء المستثنين مستبدين بالإيمان وعصيان الشيطان بأنفسهم . ألا تراك إذا قلت ( لمن تذكره بحقك عليه ) : لولا مساعدتي لك لسلبت أموالك إلا قليلا ، كيف لم تجعل لمساعدتك أثرا في بقاء القليل للمخاطب . وإنما مننت عليه بتأثير مساعدتك في بقاء أكثر ماله ، لا في كله . ومن المحال أن يعتقد مسلم أنه عصم في شيء من اتباع الشيطان ، إلا بفضله تعالى عليه . هذا ملخص ما قرره صاحب الانتصاف ، وهوّل فيه . ولا يخفى أن صرف الاستثناء إلى ما يليه ويتصل به لتبادره فيه ، أولى من صرفه إلى الشيء البعيد عنه . واللازم ممنوع . لأن المراد بالفضل والرحمة معنى مخصوص . وهو ما بيناه . فإن عدم الاتباع ، إذا لم يكن بهذا الفضل المخصوص ، لا ينافي أن يكون بفضل آخر . وقوله تعالى : القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة النساء ( 4 ) : آية 84 ] فَقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْساً وَأَشَدُّ تَنْكِيلاً ( 84 ) فَقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تلوين للخطاب ، وتوجيه له إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بطريق