محمد جمال الدين القاسمي

236

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

أن يحدث بكل ما يسمع » . وعند أبي داود « 1 » والحاكم عنه : كفى بالمرء إثما . ورواه الحاكم أيضا عن أبي أمامة . هذا ، ونقل الرازيّ وجها آخر في الموصول . وهو أن المعنيّ به طائفة من أولي الأمر . قال : والتقدير : ولو أن المنافقين ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر لكان علمه حاصلا عند من يستنبط هذه الوقائع من أولي الأمر . وذلك لأن أولي الأمر فريقان : بعضهم من يكون مستنبطا وبعضهم من لا يكون كذلك . فقوله ( منهم ) يعني لعلمه الذين يستنبطون المخفيات من طوائف أولي الأمر . فإن قيل : إذا كان الذين أمرهم اللّه برد هذه الأخبار إلى الرسول وإلى أولي الأمر هم المنافقون ، فكيف جعل أولي الأمر منهم في قوله وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ ؟ قلنا : إنما جعل أولي الأمر منهم على حسب الظاهر . لأن المنافقين يظهرون من أنفسهم أنهم يؤمنون . ونظيره قوله تعالى : وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ [ النساء : 72 ] . وقوله : ما فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ . انتهى . وعلى هذا الوجه يحمل قول السيوطيّ في ( الإكليل ) : قوله تعالى : وَلَوْ رَدُّوهُ . . . الآية ، هذا أصل عظيم في الاستنباط والاجتهاد . وقول المهايميّ : فلو وجدوا في القرآن ما يوهم الاختلاف ، لوجب عليهم استفسار الرسول والعلماء الذين هم أولو الأمر ، ليعلمهم منهم المجتهدون في استنباط وجوه التوفيق . وقال بعض الإمامية : ثمرة الآية أنه يجب كتم ما يضر إظهاره المسلمين . وأن إذاعته قبيحة . وأنه لا يخبر بما لم يعرف صحته . وتدل على تحريم الإرجاف على المسلمين . وعلى أنه يلزم الرجوع إلى العلماء في الفتيا . وتدل على صحة القياس والاجتهاد . لأنه استنباط . انتهى . تنبيه : ما نقله الزمخشريّ وتبعه البيضاويّ وأبو السعود وغيرهم ، من أن قوله تعالى وَإِذا جاءَهُمْ عنى به طائفة من ضعفة المسلمين - فإن أرادوا بالضعفة المنافقين ، فصحيح . وإلا فبعيد غاية البعد كما يعلم من سباق الآية وسياقها . وكذا ما نوعوه من الأقوال في معناه . فكله لم يصب المرمى . والذي يعطيه الذوق السليم في الآية هو الوجه الأول . ولها إشعار بالوجه الثاني لا تأباه . فتبصر ولا تكن أسير التقليد .

--> ( 1 ) أخرجه أبو داود في : الأدب ، 80 - باب في التشديد في الكذب ، حديث 4992 .