محمد جمال الدين القاسمي
20
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
من الباب الأول . على أن من قال لقوم يقتسمون مالا معينا كبيرا : اقتسموه مثنى وثلاث ورباع ، فقسموا بعضه بينهم درهمين درهمين . وبعضه ثلاثة ثلاثة . وبعضه أربعة أربعة . كان هذا هو المعنى العربي . ومعلوم أنه إذا قال القائل : جاءني القوم مثنى ، وهم مائة ألف ، كان المعنى أنهم جاءوه اثنين اثنين . هكذا : جاءني القوم ثلاث ورباع . والخطاب للجميع بمنزلة الخطاب لكل فرد فرد . كما في قوله تعالى : فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ ، أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ * ، ونحوها . ومعنى قوله : فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ : لينكح كل فرد منكم ما طاب له من النساء اثنتين اثنتين وثلاثا وثلاثا وأربعا أربعا . هذا ما تقتضي لغة العرب . فالآية تدل على خلاف ما استدلوا به عليه . ويؤيد هذا قوله تعالى في آخر الآية : فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَواحِدَةً . فإنه وإن كان خطابا للجميع فهو بمنزلة الخطاب لكل فرد فرد . فالأولى أن يستدل على تحريم الزيادة على الأربع بالسنة لا بالقرآن . وأما استدلال من استدل بالآية على جواز نكاح التسع باعتبار الواو الجامعة وكأنه قال : انكحوا مجموع هذا العدد المذكور ، فهذا جهل بالمعنى العربيّ . ولو قال : انكحوا اثنتين وثلاثا وأربعا كان هذا القول له وجه . وأما مع المجيء بصيغة العدل فلا . وإنما جاء سبحانه بالواو الجامعة دون ( أو ) لأن التخيير يشعر بأنه لا يجوز إلا أحد الأعداد المذكورة دون غيره . وذلك ليس بمراد من النظم القرآنيّ . أخرج الشافعيّ وابن أبي شيبة وأحمد والترمذيّ وابن ماجة والدّارقطنيّ والبيهقيّ ، عن ابن عمر أن غيلان بن سلمة الثقفيّ أسلم وتحته عشر نسوة . فقال له النبيّ صلى اللّه عليه وسلم : اختر منهن ( وفي لفظ أمسك منهن ) أربعا وفارق سائرهن . وروي هذا الحديث بألفاظ من طرق . وعن نوفل بن معاوية الديليّ قال : أسلمت وعندي خمس نسوة . فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : أمسك أربعا وفارق الأخرى . أخرجه الشافعيّ في مسنده . و أخرج ابن ماجة والنحاس في ( تاريخه ) عن قيس بن الحارث الأسديّ قال : أسلمت وكان تحتي ثمان نسوة . فأتيت النبيّ صلى اللّه عليه وسلم فأخبرته . فقال : اختر منهن أربعا وخل سائرهن . ففعلت . وهذه شواهد للحديث الأول كما قال البيهقيّ . وقال قدس سره أيضا في كتابه ( السيل الجرار المتدفق على حدائق الأزهار ) : أما الاستدلال على تحريم الخامسة وعدم جواز زيادة على الأربع بقوله عز وجل : مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ ، فغير صحيح . كما أوضحته في ( شرحي للمنتقى ) وقد