محمد جمال الدين القاسمي
19
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ [ الأحزاب : 21 ] . وأما دعوى اختصاصه بالزيادة على الأربع فهو محل النزاع . ولم يقم عليه دليل . وأما قوله تعالى : مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ ، فالواو فيه للجمع لا للتخيير . وأيضا لفظ مثنى معدول به عن اثنين اثنين . وهو يدل على تناول ما كان متصفا من الأعداد بصفته الاثنينية . وإن كان في غاية الكثرة البالغة إلى ما فوق الألوف . فإنك تقول جاءني القوم مثنى أي اثنين اثنين . وهكذا ثلاث ورباع . وهذا معلوم في لغة العرب لا يشك فيه أحد . فالآية المذكورة تدل بأصل الوضع على أنه يجوز للإنسان أن يتزوج من النساء اثنتين اثنتين وثلاثا ثلاثا وأربعا أربعا . وليس من شرط ذلك أن لا تأتي الطائفة الأخرى في العدد إلا بعد مفارقته للطائفة التي قبلها . فإنه لا شك أنه يصح ، لغة وعرفا ، أن يقول الرجل ، لألف رجل عنده : جاءني هؤلاء اثنين اثنين أو ثلاثة ثلاثة أو أربعة أربعة . فحينئذ الآية تدل على إباحة الزواج بعدد من النساء كثير . سواء كانت الواو للجمع أو للتخيير . لأن خطاب الجماعة بحكم من الأحكام بمنزلة الخطاب به لكل واحد منهم . فكأن اللّه سبحانه وتعالى قال ، لكل فرد من الناس : انكح ما طاب لك من النساء مثنى وثلاث ورباع . ومع هذا فالبراءة الأصلية مستصحبة . وهي بمجردها كافية في الحل حتى يوجد ناقل صحيح ينقل عنها . وقد يجاب بأن مجموع الأحاديث المذكورة في الباب لا تقصر عن رتبة الحسن لغيره ، فتنتهض بمجموعها للاحتجاج . وإن كان كل واحد لا يخلو عن مقال . ويؤيد ذلك كون الأصل في الفروج الحرمة . كما صرح به الخطابيّ . فلا يجوز الإقدام على شيء منها إلا بدليل . وأيضا هذا الخلاف مسبوق بالإجماع على عدم جواز الزيادة على الأربع . كما صرح بذلك في ( البحر ) . وقال في ( الفتح ) اتفق العلماء على أن من خصائصه صلى اللّه عليه وسلم الزيادة على أربع نسوة يجمع بينهن . وقد ذكر الحافظ في ( الفتح ) و ( التلخيص ) الحكمة في تكثير نسائه صلى اللّه عليه وسلم فليراجع ذلك . انتهى . وقال قدس سره في تفسيره ( فتح القدير ) : وقد استدل بالآية على تحريم ما زاد على الأربع ، وبينوا ذلك بأنه خطاب لجميع الأمة . وأن كل ناكح له أن يختار ما أراد من هذا العدد . كما يقال للجماعة : اقتسموا هذا المال . وهو ألف درهم ( أو هذا المال الذي في البدرة ) درهمين درهمين . وثلاثة ثلاثة . وأربعة أربعة . وهذا مسلم إذا كان المقسوم قد ذكرت جملته ، أو عيّن مكانه . أما لو كان مطلقا ، كما يقال : اقتسموا الدراهم ، ويراد بها ما كسبوه ، فليس المعنى هكذا . والآية من الباب الآخر لا