محمد جمال الدين القاسمي

182

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

بما أدرك . فقال : أدركت عمر بن عبد العزيز ، فقيل له : يا أمير المؤمنين ! أفقرت أفواه بنيك من هذا المال وتركتهم فقراء لا شيء لهم . وكان في مرض موته ، فقال : أدخلوهم عليّ . فأدخلوهم وهم بضعة عشر ذكرا . ليس فيهم بالغ . فلما رآهم ذرفت عيناه ثم قال : واللّه ! يا بنيّ ! ما منعتكم حقّا هو لكم . ولم أكن بالذي آخذ أموال الناس فأدفعها إليكم . وإنما أنتم أحد رجلين : إما صالح فاللّه يتولى الصالحين . وإما غير صالح فلا أخلف له ما يستعين به على معصية اللّه . قوموا عني . قال : ولقد رأيت بعض ولده حمل على مائة في سبيل اللّه . يعني أعطاها لمن يغرو عليها . قلت : هذا وقد كان خليفة المسلمين من أقصى المشرق ببلاد الترك إلى أقصى المغرب بالأندلس وغيرها من جزيرة قبرص وثغور الشام والعواصم كطرسوس ونحوها ، إلى أقصى اليمن . وإنما أخذ كل واحد من أولاده من تركته شيئا يسيرا ، يقال أقل من عشرين درهما . قال : وحضرت بعض الخلفاء وقد اقتسم تركته بنوه . فأخذ كل واحد ستمائة ألف دينار . ولقد رأيت بعضهم يتكفّف الناس ، أي يسألهم بكفه . وفي هذا الباب من الحكايات والوقائع المشاهدة في الزمان ، والمسموعة عما قبله ، عبرة لكل ذي لب . وقد دلت سنة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم على أن الولاية أمانة يجب أداؤها ، في موضع مثل ما تقدم . ومثل قوله لأبي ذر رضي اللّه عنه في الإمارة : « إنها أمانة وإنها يوم القيامة حسرة وندامة . إلا من أخذها بحقها وأدّى الذي عليه » . فيما رواه مسلم « 1 » . و روى البخاريّ « 2 » في صحيحه عن أبي هريرة رضي اللّه عنه أن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم قال : « إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة . قيل : يا رسول اللّه ! وما إضاعتها ؟ قال : إذا وسّد الأمر إلى غير أهله ، فانتظر الساعة » .

--> ( 1 ) أخرجه في : الإمارة ، حديث 16 ونصه : عن أبي ذر قال : قلت : يا رسول الله ! ألا تستعملني ؟ قال فضرب بيده على منكبي ثم قال « يا أبا ذر ! إنك ضعيف . وإنها أمانة . وإنها يوم القيامة خزي وندامة . إلا من أخذها بحقها وأدّى الذي عليه فيها » . ( 2 ) أخرجه في : العلم ، 2 - باب من سئل علما وهو مشتغل في حديثه فأتم الحديث ثم أجاب السائل ، حديث 52 ونصه : عن أبي هريرة قال : بينما النبيّ صلى اللّه عليه وسلم في مجلس يحدّث القوم جاءه أعرابيّ فقال : متى الساعة ؟ فمضى رسول الله صلى اللّه عليه وسلم يحدّث . فقال بعض القوم : سمع ما قال فكره ما قال .