محمد جمال الدين القاسمي

174

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

لفرط بخلهم . و ( النقير ) النقرة في ظهر النواة وهو مثل في القلة والحقارة . كالفتيل والقطمير . والمراد بالملك إما ملك أهل الدنيا وإما ملك اللّه . كقوله تعالى : قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذاً لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفاقِ [ الإسراء : 100 ] . وقال أبو السعود : وهذا هو البيان الكاشف عن كنه حالهم . وإذا كان شأنهم كذلك وهم ملوك فما ظنك بهم وهم أذلاء متفاقرون ؟ ويجوز أن لا تكون الهمزة لإنكار الوقوع بل لإنكار الواقع والتوبيخ عليه . أي لعده منكرا غير لائق بالوقوع . على أن الفاء للعطف والإنكار متوجه إلى مجموع المعطوفين على معنى : ألهم نصيب وافر من الملك حيث كانوا أصحاب أموال وبساتين وقصور مشيدة كالملوك فلا يؤتون الناس مع ذلك نقيرا ؟ كما تقول لغنيّ لا يراعي أباه : ألك هذا القدر من المال فلا تنفق على أبيك شيئا ؟ وفائدة ( إذن ) تأكيد الإنكار والتوبيخ . حيث يجعلون ثبوت النصيب سببا للمنع مع كونه سببا للإعطاء . وهي ملغاة عن العمل . كأنه قيل : فلا يؤتون الناس إذن : وقرئ : ( فإذن لا يؤتوا ) بالنصب على إعمالها . القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة النساء ( 4 ) : آية 54 ] أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً ( 54 ) أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ منقطعة أيضا مفيدة للانتقال من توبيخهم بما سبق ، أعني البخل ، إلى توبيخهم بالحسد . وهما شر الرذائل كما قدمنا . وكأن بينهما تلازما وتجاذبا . واللام في ( الناس ) للعهد والإشارة إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم والمؤمنين . وروى الطبرانيّ بسنده عن ابن عباس في هذه الآية قال : نحن الناس دون الناس . والهمزة لإنكار الواقع واستقباحه . قال الرازيّ : وإنما حسن ذكر الناس لإرادة طائفة معينة من الناس . لأن المقصود من الخلق إنما هو القيام بالعبودية كما قال تعالى : وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [ الذاريات : 56 ] فما كان القائمون بهذا المقصود ليس إلا محمدا صلى اللّه عليه وسلم ومن كان على دينه - كان هو وأصحابه كأنهم كل الناس . فلهذا حسن إطلاق لفظ ( الناس ) وإرادتهم على التعيين عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وهو النبوة والكتاب والرشد وازدياد العز والنصر يوما فيوما . وقوله تعالى فَقَدْ آتَيْنا تعليل للإنكار والاستقباح وإلزام لهم بما هو مسلم عندهم . وحسم لمادة حسدهم واستبعادهم ،